ماذا يحدث في العراق؟
وتيرة الاحتجاجات تتصاعد والبلد فقد احد اعمدة الحكم الرئيسية

كركوك ناو بعد فقدان العراق لاحد أعمدة الحكم الرئيسية، وفي ظل عدم وجود جهة رسمية معنية بمراقبة عمل الحكومة، يواجه البلد ظرفاً استثنائياً مع اتساع دائرة الاحتجاجات الشعبية في المحافظات الجنوبية. وبحسب الدستور، جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي ، ولكن منذ اكثر من اسبوعين، انتهت فترة عمل الدورة الثالثة لمجلس النواب العراقي، بينما لم تبدأ الدورة الرابعة للمجلس اعمالها بسبب عدم الموافقة على نتائج الانتخابات التي جرت في 12 ايار من العام الجاري. مع بقاء نتائج الانتخابات النيابية معلقة بسبب تقديم عدد من الأطراف والاحزاب السياسية شكاوى وطعونا ضد النتائج التي اعلنتها المفوضية، متهمين عددا من الاحزاب السياسية بالتلاعب بنتائج الانتخابات، وعلى اثر ذلك بدأت مفوضية الانتخابات من القضاة المنتدبين، عملية العد والفرز اليدوي الجزئي للصناديق المطعون بها. واكد عضو اللجنة القانونية في الدورة السابقة لمجلس النواب العراقي، زانا روستايي في حديث لـ (كركوك ناو) إن العراق فقد أحد أعمدة الحكم الرئيسية، في إشارة منه الى غيات دور البرلمان، لان الدستور ذكر بصورة صريحة بأن نظام الحكم في العراق جمهوري نيابي.

وتيرة الاحتجاجات تتصاعد والبلد فقد احد اعمدة الحكم
ويعتقد روستايي بأن غياب البرلمان يترك أثارا سلبية عدة، اهمها عدم وجود الرقابة على اعمال الحكومة، وعدم القدرة على إصدار تشريعات جديدة، ولايمكن لأية جهة ان تؤدي تلك المهمة في الوقت الحالي. وبالتزامن مع انتهاء اعمال الدورة الثالثة، تمارس الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي اعمالها بكافة صلاحياتها، وذلك من دون وجود رقابة البرلمان عليها. وبجسب الدستور العراقي، يختص مجلس النواب بتشريع القوانين الاتحادية، والرقابة على اداء السلطة التنفيذية، واستدعاء المسؤولين والتحقيق مع السلطة التنفيذية وتنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب الخ.. ويعتقد عضو اللجنة القانونية في الدورة السابقة لمجلس النواب، ان بقاء الوضع على هذا الشكل وبدون وجود مجلس النواب، "غير قانوني وغير طبيعي"، ولايمكن اصدار وتعديل القوانين الضرورية للبلد.
كركوك، تموز 2018، عدد من صناديق الاقتراع في قضاء داقوق وضعت عليها الشريط الحمراء بسبب وجود شبهات التزوير تصوير: كاروان الصالحي
وضرب روستايي مثالا حول عملية اعادة العد والفرز اليدوي للاصوات ووجود خلافات وعمليات التزوير، ومطالبات عدة جهات باعادة الانتخابات، وهذا بحاجة الى تعديل قانون الانتخابات، ولا يمكن تعديل القوانين في ظل عدم وجود البرلمان. بدأت عملية العد والفرز اليدوي للصناديق التي تشوبها شبهات التزوير، منذ بداية الشهر الجاري ولاتزال العملية المستمرة، وبعد انتهاء العملية ستعلن الاحزاب السياسية عن موقفها النهائي حول قبولها بنتائج الانتخابات او رفض النتائج بالكامل. وبحسب الدستور، يدعو رئيس الجمهورية مجلس النواب للانعقاد بمرسوم جمهوري خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة، وتعقد الجلسة برئاسة اكبر الاعضاء سناً لانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، ولايجوز التمديد لاكثر من المدة المـذكورة آنفاً. وقال الخبير القانون طارق الحرب حول انتهاء عمل البرلمان في حديث لـ (كركوك ناو) ان "انتهاء عمل الدورة الثالثة لمجلس النواب العراقي، لا يتسبب بفراغ دستوري، وانما يخلق فراغ نيابي (تشريعي) لعدم وجود البرلمان او بالاحرى انتهاء اعمال الدورة الثالثة للبرلمان". وأوضح الحرب بأن "الدستور العراقي توقع حدوث حالات مماثلة مثل التي نعيشها في الوقت الحالي، لذلك وضع حلولا لها، لانه بحسب الدستور وبعد انتهاء عمل البرلمان، سوف تبقى الحكومة تمارس مهامها بكامل سلطاتها، ولن تتحول الى حكومة تصريف اعمال".
يحتاج العراق في شهر تشرين الثاني إلى البرلمان أكثر من أي وقت
ولم يحدد الدستور ولا القوانين النافدة في العراق، المدة الزمنية التي يمكن ادارة البلد بدون وجود السلطة التشريعة، او بقاء الحكومة من ممارسة مهاما من دون رقابة البرلمان عليها. ويأتي هذا في وقت تواجه الحكومة العراقية، احداث جديدة، مثل انطلاق التظاهرات الشعبية في عدد من المحافظات الجنوبية احتجاجا على تردي الخدمات، وتزايد نشاطات مسلحي داعش في كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها.
البصرة، 12 تموز 2018، تظاهرات احتجاجية وحرق الاطارات في مدخل المحافظة تصوير: رويترز
انطلقت التظاهرات من محافظة البصرة اولا، واتسعت دائرة الاحتجاجات الى عدة محافظات من ضمنها محافظة بغداد، احتجاجا على تردي الخدمات وتقليل ساعات تزويد المواطنين بالكهرباء والمياه الصالحة للشرب، مع المطالبة بتوفير فرص العمل ومواجهة الفساد. وشهدت التظاهرات، مواجهات بين المتظاهرين والقوات الامنية التي دخلت الى حالة التأهب القصوى، وبحسب المؤسسات الاعلامية العراقية، اسفرت المواجهات عن مقتل واصابة عشرات الاشخاص في صفوف المتظاهرين والقوات الامنية. وعبرّ الخبير القانوني طارق الحرب عن قلقه من استمرار الوضع على حاله للاشهر المقبلة، حيث يحتاج العراق إلى البرلمان لمناقشة قانون الموازنة في حال ارسالها من قبل الحكومة. وأضاف الحرب "يحتاج العراق في شهر تشرين الثاني إلى البرلمان أكثر من أي وقت، وذلك بهدف المناقشة والمصادقة على الميزانية السنوية للبلد". ولكن الدستور وضع حلا لهذه المشكلة ايضا وتعطي الصلاحية للحكومة على صرف 1/12 من الميزانية شهريًا. تتعلق اغلب مطالب المتظاهرين بالتخصيص المالي ، اهمها تحسين واقع الطاقة الكهربائية وشبكات المياه وتوفير فرص العمل والمشاريع الخدمية، وعلى الرغم من ان الحكومة العراقية اصدرت عدة قرارات لانهاء الاحتجاجات، الا انها لم تتمكن من إنهائها بصورة نهائية. وبحسب خبراء القانون، يواجه العراق في الوقت الحالي مصيرا مجهولا، مع اتساع رقعة التظاهرات وانقطاع خدمة الانترنيت في اغلب المحافظات العراقية والمناطق المتنازع عليها، وحجب مواقع التواصل الاجتماعي في عموم البلد مع اقليم كوردستان. واكدت المرجعية الدينية العليا مع اغلب الاحزاب السياسية في الايام الماضية على تشكيل الحكومة العراقية الجديدة في اسرع وقت ممكن وانعقاد جلسات مجلس النواب للدورة الرابعة وتطبيع الاوضاع.
يواجه العراق في الوقت الحالي مصيرا مجهولا
حاول مجلس النواب العراقي حتى الجلسة الاخيرة في 30 حزيران من العام الجاري، تمديد فترة دورته لحين حسم نتائج الانتخابات والمصادقة عليها، ولكن فشلت جميع المحاولات بسبب عدم تحقيق النصاب القانوني لعقد جلسة خاصة بتمديد فترة دورته. وعلى الرغم من عدم تصديق نتائج الانتخابات، الا مسألة تشكيل الحكومة المقبلة ليست واضحة للعيان، لعدم توصل الاحزاب السياسية الى تشكيل اكبر كتلة نيابية، لان الدستور العراقي نص على ان رئيس الجمهورية يكلف مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية. ويقول طارق حرب ان "انتهاء عمر مجلس النواب لايعتبر فراغا دستوريا، وانما هو فراغ قانوني وتشريعي، لانه وبحسب الدستور، عند سحب الثقة من الحكومة او حل مجلس النواب سوف نواجه فراغ دستوري".

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT