مئات الصحفيين يعيشون ظروف مادية صعبة.. صوت المظلومين، من صوتهم؟

مئات الصحفيين يعيشون ظروف مادية صعبة.. صوت المظلومين، من صوتهم؟

معاذ فرحان "شهر بعد شهر كانوا يستقطعون رواتبنا، وتوقف صرف مستحقاتنا بصورة نهائية بعد أشهر، ثم اخبرونا بالعمل بشكل طوعي لمن يود العمل بالقناة" هذا ماقاله صحفي يعمل في فضائية هنا بغداد، المبلغ الذي لم يستلمه من الفضائية يقدر بـ سبعة ملايين دينار، وبعد فقدانه الامل من نقابة الصحفيين للدفاع عنه، لجأ الى المحاكم لاستحصال حقوقه. وقال الصحفي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، بسبب وجود محاولات للتسوية بين الصحفيين والفضائية التي يعمل فيها ويحتفظ (كركوك ناو) بأسمه "بدأت أزمتنا في العمل بقناة هنا بغداد حيث بدأت القناة باستقطاع حقنا المالي شهر بعد شهر وإعطاءنا جزء منه" الا ان صرف المستحقات توقف بصورة نهائية من شهر اب عام 2018 ثم اخبرنا القائمين على الفضائية بالعمل بشكل طوعي لمن يود العمل بالقناة، هذا ما أوضحه الصحفي.
شهر بعد شهر كانوا يستقطعون رواتبنا
واجه القرار استنكار عشرات العاملين في القناة، منهم من توقف عن العمل والبعض الآخر مستمر لحين نيل حقوقه، وخروج عددا منهم بتظاهرة امام نقابة الصحفيين لايصال صوتهم كون النقابة الجهة الساندة للصحفيين، فيما شرع بعض اخر برفع دعاوي قضائية ضد القناة. وهذا يدل على وجود مشكلة جوهرية في العلاقة التي تربط الصحفيين بمؤسساتهم والصحفيين بالنقابات الصحفية في عموم البلاد. هذا الصحفي يعتبر مثالا لمئات الصحفيين والعاملين في المؤسسات الاعلامية في العراق واقليم كوردستان، من الذين فقدوا وظائفهم في السنوات الاربعة الماضية، أو تمتنع مؤسساتها عن دفع مستحقاتهم المادية و تنتهك حقوقهم. هذه المشكلة اخذت الاستمرارية، وامتلأت رفوف النقابات والجمعيات المدافعة عن حقوق الصحفيين بهذه الانواع من الشكاوى، الا ان النقابة تؤكد بأنها لاتعلم كيفية التعامل مع الوضع، وتعتقد بأن الصحفيين والمؤسسات الاعلامية مذنبين على حد سواء.
بغداد، تظاهرة احتجاجية لعشرات العاملين في فضائية هنا بغداد امام نقابة الصحفيين العراقيين تصوير: علي وادي
الصحفي هيمن مامند، مراسل موقع خندان، التابعة لرئيس جمهورية العراق، برهم صالح، بدأ العمل في المؤسسة في عام 2015 من دون توقيع اي عقد حاله حال العاملين في فضائية هنا بغداد. بعد مرور أشهر على عمله في المؤسسة، قدم الصحفي استقالته، بسبب عدم صرف مستحقاته المادية، وقال هيمن "اطلب المؤسسة راتب ثمانية اشهر، حاولت الحصول على مستحقاتي بطرق مختلفة، الا انهم يتلاعبون بنا". "عدم تطبيق القانون وعدم وجود عقد مبرم بين الصحفيين والمؤسسات الاعلامية، يعتبران سببين رئيسيين لانتهاك حقوق الصحفيين" وبهذا الشكل اُجبر هيمن التخلي عن حقه. البطالة تضييق الخناق على الصحفيين في عامي 2014-2016 ، حوالي الف وستمائة صحفي فقدوا وظائهم في العراق، الا ان العدد تراجع في عام 2017 وبلغ عدد الصحفيين الذين فقدوا وظائهم 570 صحفيا، بحسب احصائية صادرة من رئيس جمعية الدفاع عن حرية الصحافة مقرها بغداد. اما في أقليم كوردستان، وصل عدد الشكاوى المقدمة من قبل الصحفيين الى النقابات المعنية بالدفاع عن حقوق الصحفيين الى اكثر من 500 شكوى، اغلبها بسبب اغلاق المؤسسات الاعلامية وحوالي 100 صحفيا سجلوا اسمائهم في النقابة بهدف ايجاد فرص عمل. اغلاق المؤسسات الاعلامية وبقاء الصحفيين من دون عمل في العاميين الماضيين، اغلقت عشرات القنوات الاعلامية في العراق واقليم كوردستان، وعلى اثر ذلك فقد اغلب الصحفيين العاملين في تلك المؤسسات وظائهم. كل من فضائية المشرق والمدى واكثر من 30 موقع الكتروني اخباري تم إغلاقها في عام 2017. اما في عام 2018، تم اغلاق فضائية ان ار تي العربية وجميع مكاتبها في عموم العراق، وفضائية "كورد نيوز" الناطقة بأسم حركة جيل الجديد في السليمانية وصحفية "رێگاى کوردستان" وفضائية "رێگا" الناطقة باسم الحزب الشيوعي الكوردستاني، مع عدد من الصحف والمجلات والمواقع الكترونية. فضائية واذاعة خندان كان لديها حوالي 200 موظفا، ويبحث اغلبهم عن فرص عمل بعد اغلاقها في شهر ايلول من العام الجاري. وقال رئيس جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، مصطفى ناصر في حديث لـ (كركوك ناو) انه "في الوقت الحالي عدد من المؤسسات الاعلامية يواجهون خطر الاغلاق بسبب الازمة المالية التي ضربت البلاد".
عدد من المؤسسات الاعلامية يواجهون خطر الاغلاق
بعد سقوط النظام العراقي السابق في عام 2003، اسست عشرات القنوات الاهلية والتابعة لشخصيات سياسية، الا ان الازمة المالية التي طالت العراق بسبب هبوط اسعار النفط في عام 2014 اثرت بصورة سلبية على عمل المؤسسات الاعلامية، وان اغلب المؤسسات العاملة في الوقت الحالي تعود ملكيتها لاحزاب او شخصيات سياسية. النقابات لا يتمكنون من استحصال حقوق للصحفيين عشرات القنوات الاعلامية في العراق واقليم كوردستان لا تلتزم بالقوانين الخاصة المعنية بحقوق الصحفيين، حيث ان البعض منهم يستقطعون رواتب العاملين والبعض الاخر يجبرون الصحفيين على ترك العمل، وذلك عن طريق تأخير توزيع رواتبهم.
هاوكار حسين، من اهالي طوزخورماتو، اثناء تغطية الاشتباكات بين قوات البيشمركة وداعش في احد مواقع قوات البيشمركة تصوير: وكالة ميتروغرافي
فضائية KNN، الناطقة بأسم حركة التغيير، كل 45 يوما أو اكثر تقوم بتوزيع رواتب موظفيها، والعاملين فيها يطالبون المؤسسة اربعة رواتب شهرية، كما هو الحال في عدد من القنوات التابعة للاتحاد الوطني الكوردستاني والديمقراطي الكوردستاني. اسماعيل حمة رحيم، كان احد صحفيي فضائية KNN قال "لا توجد مؤسسة في كوردستان، تعمل على استرجاع الحقوق الصحفيين والموظفين والعمال" اشارة منه للنقابات الخاصة بالصحفيين.
لا توجد مؤسسة في كوردستان، تعمل على استرجاع الحقوق الصحفيين
"عندما طالبت بصرف مستحقاتي لثلاثة أشهر، اجبرت على تقديم الاستقالة، وانا الان عاطل عن العمل في الوقت الحالي"، هذا ماقاله اسماعيل والذي يملك خبرة اكثر من 15 عاما في مجال الصحافة. شركة وشة مالك فضائية KNN، وبحسب العقد الذي ابرمه مع الصحفيين واطلع (كركوك ناو) على نسخة منه، يجب توزيع الرواتب كل 30 يوما. ويأتي ذلك في وقت، يلزم قانون الصحافة في اقليم كوردستان، المؤسسات الاعلامية ومدراء الصحف بالالتزام بالحقوق المقررة قانونا وبحسب عقد مصدق من قبل نقابة الصحفيين. مسؤول فرع السليمانية لنقابة الصحفيين في كوردستان، كاروان انور، يقول ان عدد من المؤسسات الاعلامية يفرضون عقود "مجحفة" على الصحفيين، ويؤكد ان "الطريق الوحيد الذي امامنا لاسترداد حقوق الصحفيين، هو العقد المبرم بين الصحفي والمؤسسة، لان الصحفيين يقبلون بجميع الشروط بسبب عدم وجود فرص العمل، وبعد توقيع العقد في المحكمة نستلم نسخة من العقد وفي هذا الحال لا يمكننا ان نعمل شيئا لصالح الصحفي، لانهم قاموا بتوقيع العقد بارادتهم". لم تتمكن نقابة الصحفيين في كوردستان، العام الجاري على استرداد الحقوق المادية لـ 152 عاملا في فضائية (أن ار تي) و "كورد نيوز"، وذلك بعد تسجيل شكاوى ضد شاسوار عبدالواحيد، مالك الفضائيتين ورئيس حركة جيل الجديد، وأضاف كاروان "عند مجيئهم للنقابة لم يكونوا يملكون عقود العمل".
عند مجيء الصحفيين للنقابة لم يكونوا يحملون عقود العمل
ويؤكد قانون حماية الصحفيين في العراق على عدم عمل الصحفي بدون عقد العمل في اي مؤسسة اعلامية، وذلك من اجل الحفاظ على حقوقه في المستقبل. محمد الداغستاني، رئيس فرع كركوك لنقابة الصحفيين العراقيين قال لـ (كركوك ناو) على "الصحفيين تسجيل شكاوى قانونية ضد مؤسساتهم في حال وجود نزاع بينهما، والقانون يساندهم في ذلك، ولكن في حال عدم وجود عقد العمل لا يملك الصحفي اي شيء للمطالبة بحقوقهم وفي هذه الحالة لا تستطيع النقابة ان تعمل شيئا من اجلهم"، وهذه من اكبر المشاكل التي يعاني منها الصحفيين لاسترجاع حقوقهم. وبهدف حماية حقوق الصحفيين، وضعت نقابة الصحفيين في كوردستان، شروطا عدة لقبول عضوية الصحفيين في النقابة هذا ما قاله سمكو عبد الكريم، في فرع اربيل لنقابة الصحفيين في كوردستان في حديث لـ (كركوك ناو). العقد، مجرد أسم مؤسسة خندان، تعتبر احدث مؤسسة والتي اعفت اكثر من 150 عاملا من عملهم وواجهت انتقادات كبيرة، وتملك المؤسسة في الوقت الحالي موقعا الكترونيا فقط يديره عدد قليل من العاملين. دانا طيب منمي، عمل لاكثر من ستة اعوام في مؤسسة خندان، قاموا بانهاء عقده في شهر كانون الاول من دون العودة اليه، يقول بأنه لا يزال يطالب المؤسسة باستحقاقاته المالية لشهرين.. "طالبتهم براتب شهر كانون الثاني 2017، اثناء الحملات الدعائية لانتخابات مجلس النواب العراق، كان برهم صالح رئيس الجمهورية الحالي وعدنا بصرف مستحقاتنا، الا انه تراجع عن قوله ولم نستلم دينارا واحد، كما واطالب بمستحقات شهر تشرين الثاني لعام 2018". القائمون على المؤسسة، والتي تبقى لديها موقع الكتروني قالوا للصحفي دانا منمي "ليس لديكم عقد عمل.. في المرة الاولى قاموا باستقطاع 15 بالمائة من رواتبنا، وقبلنا بذلك، الا انه عادوا بعد اشهر واخبرونا بانهم سوف يقومون باستقطاع 10 بالمائة مرة اخرى، الا انني لم اقبل بذلك" هذا بحسب ما قاله دانا منمي واكد على انه سيسعى لاسترجاع حقه عن طريق نقابة الصحفيين والمحاكم عن طريق تسجيل شكوى قانونية. سليمان عبد الله يونس، والذي يترأس مؤسسة خندان في الوقت الحالي قال "لدينا عقود عمل شهرية، قابلة للتجديد بصورة شهرية او نهائية بعد المدة المحددة، الصحفي هو من يوقع العقد وهو حر ان يرضى به أم يرفض توقيعه".
لدينا عقود عمل شهرية، قابلة للتجديد بصورة شهرية او نهائية بعد المدة المحددة
وقال عبد الله لـ (كركوك ناو) "نحن لم نعفي اي شخص من العمل، او نفسخ عقودهم"؛ مضيفا "اذا تمكن اي شخص من اثبات وجود حقا له على مؤسسة خندان بادلة مادية، فليأتي ويطالب بحقه". ويأتي ذلك في وقت، اعفت مؤسسة خندان اكثر من 150 صحفيا وعاملا من عملهم من دون دفع رواتبهم لحين ايجاد فرص العمل. "في حال لم نمتلك الميزانية، سوف نقوم باغلاق الموقع والاذاعة، ولا نستطيع الابقاء على العاملين.."، سليمان هذا ما قاله عبد الله يونس. الصحفيين في العراق عموما واقليم كوردستان خصوصا، يعدون عشرات التقارير والاخبار يوميا عن تأخر توزيع رواتب الموظفين والمتقاعدين، ويصلون اصواتهم الى الجهات المعنية، الا ان اصواتهم على وشك الضياع. وقال الصحفي الذي كان يعمل في فضائية هنا بغداد كل ما حصدناه من عملنا المهني في قناتنا، هو فقط كلمة شكرا، الا ان هذه الكلمة لا تجدي نفعا في ظل عدم صرف مستحقاتنا المالية وحقوقنا الشرعية". عمر الهلالي في القسم العربي لموقع (كركوك ناو)، شارك في إعداد هذا التقرير.
  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT