سولة، كسرت حصار داعش بعزيمتها

20 مارس, 2017 at 12:16 م

كركوك، سولة كريم (54عاما)، من فوق منزلها بعد أيام من هجوم داعش على كركوك في 21/10/2016. تصوير: عماد جباري.

عماد الجباري

بدأت تتزايد أصوات الرصاص وأزيزه، وتتعالى نار الحرب وتقترب، أخذ الناس يهجرون منازلهم متوجهين تلقاء الأحياء الكردية في المدينة، لكن امرأة قررت أن تقف بالمرصاد، سولة كريم (54عاما) قررت أن تحمل السلاح وتثقب سياج سقف منزلها قانصة مسحلي داعش المنتشرين في أزقة المدينة.

“كانت الهجمات من محورين، قُتِل مسلحان داخل الزقاق، لذلك أراد المسلحون الآخرون أن ينتقموا منا على ذلك”، قالت سولة بنبرة تنم عن الفخر والاعتزاز. إنها صدت وحدها هجوم المسلحين في حيّها ولم تسمح أن تطال شرارة هجمات داعش بناتِها ولا ساكني الحيّ، في ذلك الهجوم الداعشي المفاجئ على كركوك.

لقد سمعت سولة بعد الساعة 3:30 فجرا من يوم 21تشرين الأول من العام المنصرم، أصوات مسلحي داعش وهم ينادون عبر مكبرات المساجد بـ”الجهاد” ضد القوات الأمنية في كركوك.

سولة، من القومية الكردية، وكانت هي وابنتاه وزوجة ابنه وأبناؤه الثلاثة (كامران و كاوة و هاوكار) موجودين في البيت آنذاك، أما الابن الآخر فهو من منتسبي قوات الآسايش “الأمن الكردي” وكان في الواجب ولم يكن موجودا في البيت أثناء حدوث الاشتباكات.

بعد سماع نداء “الجهاد” من قبل المسلحين، في حي “الأسرى والمفقودين”، ارتبك أهالي الحي، عشرات من المسلحين منتشرون في الأزقة وفوق البنايات المرتفعة قرب منزل سولة.

وحال ارتفاع أزيز الرصاص في الزقاق، تُقررُ سولة أن تبقى في البيت وتدافع، مما شجع أناسا كُثُر على البقاء معها والدفاع عن حيّهم متخذين من فوق المنازل مكانا للدفاع.

ترى سولة أن هناك سببين دفعا مسحلي داعش لتكثيف هجومهم على منزلنا. “الموقع الجغرافي للمنزل، حيث يقع قرب نهر خاسة (وكان قسم من مسلحي داعش تسللوا عبر هذا النهر)، والثاني أننا عرفنا فيما بعد أن الخلايا النائمة لداعش أخبروا المسلحين بأن أبنائي من منتسبي الآسايش والبيشمركة”. مضيفة أن المسلحين “أرادوا أن يعتقلونا بأي ثمن كان”.

في صبيحة يوم 21 تشرين الأول 2016، تسلل أكثر من مئة مسلح من داعش إلى مدينة كركوك وهاجموا بعضا من الأحياء التي تقطنها أغلبية عربية، وبعضا من الأجهزة الحكومية والأمنية.

كاروان توفيق، ابن سولة، يحتفظ حتى الآن بالتسجيل الصوتي الذي يطلب فيه من أمه أن تترك الحي كي لا يقعوا أسرى بيد داعش. “طلبت منها أن تترك الحي وتنقذ شقيقاتي، كي لا يهجم المسلحون عليهم، قالت أمي لست بأعزّ منكم ولن أترك المنزل. فما قالته أمي منحني الثقة والثبات”. قاله كاروان، وهو، أثناء الهجوم، في مكان عمله يصد هجمات داعش.
في هجوم ذاك اليوم، الذي شنه مسلحو داعش على مدينة كركوك، استشهد أكثر من 90 شخصًا و250 جريحا من البيشمركة والقوات الأمنية والمواطنين.

قتْلُ مسلحَين اثنين قرب منزل سولة، من قبل المواطنين الذين أطلقوا النار ضد المسلحين، أغضَبَ الدواعش مما دفعم إلى تكثيف هجمتهم على الحيّ.

في الحرب ضد داعش، ولاسيما بعد سيطرته على سنجار واختطاف مئات الفتيات والنساء الإيزيديات، حملت المرأة الكردية السلاح، شأنها شأن الرجال، واتجهْنَ صوب سواتر الدفاع.

توجد في القوة الخاصة للنساء التابعة لوزارة البيشمركة أكثر من 500 امرأة بيشمركة، استقرت بعضهن في السواتر في الجبهات، وبعض آخر يؤديْنَ واجبهنّ في إدارة مركزَين لإيواء النساء ومستشفى شورش.
ا

لعقيد ناهدة أحمد، قائد القوة الخاصة بالنساء، تقول “سجل أكثر من 60 امرأة أسماءهنّ كمتطوعات، والعملية مستمرة، بعض منهنّ جئنَ إلى جبهات الحرب وبقينَ شهورا عدة معنا”.

كركوك، سولة وأبناؤها وجيرانها، بعد المشاركة في صد هجوم مسلحي داعش داخل المدينة في 21/10/2016. تصوير: عماد الجباري.

“الآن، وحينما تمر أمام عينيّ اللحظات التي تنهمر فيها الرصاصات حول أمي، وكيف أنها ودون أن تعطي اهتماما لذلك تبث فينا العزيمة والصبر، اُصابُ بالصدمة وأتعجب”. قال كامران توفيق، ابن آخر لسولة، والذي دافع مع أمه جنبا إلى جنب ضد هجمات داعش.

وأضاف كامران أن أمه ما أن تعرف أن المسلحين يهاجمون من جهة أخرى، تتسارع إلى ثقب مكان آخر من سياج سقف البيت، وحينما انهمك أحدنا تأخذ منه السلاح وتدافع، وكان همها أخواتي وأخي الآخر”.

في الحرب ضد مسلحي داعش، دفعت القوة الخاصة بالنساء شهيدا وجريحين، النقيب رنكين نائب آمر فوج النساء استشهدت غرة شهر تشرين الأول عام 2014 قرب داقوق.

آلا أمين محمد (32عاما)، فتاة متطوعة من البيشمركة، شاركت في أكثر المعارك التي دارت في داقوق و”مكتب خالد” و”ملا عبدالله” و ضواحي الموصل. آلا، فتاة كردية من شرق كردستان (كردستان إيران)، أبواها استشهدا. قالت: “أعيش بعيدا عن مسقط رأسي منذ 13عاما، وذلك بسبب الشعور القومي “الكوردايتي” لدى عائلتي وتضحياتنا في سبيل ذلك. لكن حينما جاء داعش صرتُ بيشمركة”. ترى آلا أنه من الضروري أن يشارك الشباب والشابات جنبا إلى جنب في النضال المسلح “كي يكون الوطن بأمان” من كل المخاطر.

بعد مرور أشهر على هجوم داعش على كركوك، مازالت على الواجهة الخارجية لمنزل سولة آثار الرصاصات، هذه المرأة لاتنتظر الشكر والتقدير والجوائز من أحد، ” ما فعلتُه كان من أجل الحفاظ على حياتنا وممتلكاتنا ومدينتنا” تقول سولة.

استمر الدفاع المستميت لسولة وجيرانها من صبيحة يوم 21 تشرين الأول حتى مساء اليوم نفسه، مع أنها ومع أقاربها قاموا بالحراسة مدة أربعة أيام متتالية حتى زال خطر داعش على كركوك تماما.

ملاجظة: هذا التقرير حصل على جائزة أفضل تقرير لمجلة “النساء”، في مسابقة (8مارس) لهذه السنة. وينشر موقع كركوك ناو بالاتفاق مع مجلة “النساء” التقارير الفائزة، من أجل تشجيع الصحفيين لتغطية قضايا المرأة.

معرض الصور

طباعة طباعة