استفتاء كوردستان… تقرير المصير في مواجهة الظروف غير المواتية

استفتاء كوردستان… تقرير المصير في مواجهة الظروف غير المواتية

13 نوفمبر, 2017 at 2:14 م

كركوك 25-9-2017، ذهاب المواطنين للتصويت في يوم الاستفتاء ، تصوير كاروان الصالحي

منار عزالدين

اثار موضوع الاستفتاء الذي اجرته حكومة إقليم كوردستان للانفصال عن العراق مؤخرا جدلا كبيرا، بين الاوساط السياسة المحلية والدولية على حد سواء، في وقت لايزال العراق يعاني من تداعيات حربه ضد تنظيم داعش.

تمتع إقليم كردستان بمحافظاته الثلاث أربيل السليمانية ودهوك منذ نهاية عام 1991 بحكم ذاتي بفضل منطقة الحظر الجوي التي فرضها تحالف أمريكي بريطاني فرنسي على شمال العراق حتى عام 2003، حين انخرطت الأحزاب الكردية في العملية السياسية المرعية أمريكيا لبناء النظام السياسي العراقي الجديد، عبر الاشتراك في إدارة البلاد وفقا للنظام الفيدرالي الذي كفله دستور عام 2005.

الخلفية القانونية لماهية مصطلح تقرير المصير
يعتبر مصطلح تقرير المصير من المصطلحات الغامضة التي ترتبط بنظرية إنسانية واخلاقية، على الرغم من خليفته التاريخية التي تعود لقرون طويلة مضت، إلا أنه ظهر بصورة أكثر وضوحا مع نهاية الحرب العالمية الأولى في المبادئ الاربعة عشر التي طرحها الرئيس الاميركي ودرو ولسن والتي أسست لميثاق “عصبة الأمم”، من أجل معالجة أوضاع الأمم والشعوب التي كانت خاضعة للامبراطوريات الخاسرة في الحرب.

تطور المصطلح ووجد له مرجعا قانونيا بعد انبثاق الأمم المتحدة، وتحول تقرير المصير من مبدأ مجرد إلى أحد الحقوق المنصوص عليها في عدد من فقراتها دون أن يكون مدعوما بتعريف ثابت، إذ أوصت الجمعية العامة عام 1952 في القرار رقم 637 بأن “على كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وجوب الالتزام بحق تقرير المصير لكل الشعوب والأمم”، دعمته بإعلان آخر خاص عام 1960 بمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة، بعد أن انشأت لجنة خاصة لتصفية الاستعمار.

وعادت لتؤكد في 12 ديسمبر 1972 بالقرار رقم 1787 على “حق الشعوب في تقرير المصير والحرية والاستقلال وشرعية نظامها بكل الوسائل المتاحة لها والمنسجمة مع ميثاق االأمم المتحدة” من ثم صدر قرار رقم 3870 طالبت فيه جميع الدول الأعضاء بالاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها وتقديم الدعم المادي والمعنوي لها..”.

فقهاء القانون الدولي عرفوا المصطلح بانه: “حق أي شعب في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب به، والسيادة التي يريد الانتماء إليها”.

من هنا فإن حق تقرير المصير ارتبط بالاستعمار والدول التي كانت تحت الوصاية الأجنبية، ولا يمس بأي حال من الأحوال وحدة الدولة الواحدة التي تعيش بظروف سياسية وأمنية مستقرة.

نينوى، 25-9-2017، المواطنين يصوتون في الاستفتاء تصوير: مهند السنجاري

حق تقرير المصير والحالة الكوردية
حلم تأسيس دولة كوردية لم يفارق الكورد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، الذي وضع الحلفاء أول تصور له في معاهدة سيفر عام 1920، قبل أن يعودوا عنه بعد ثلاث سنوات في معاهدة لوزان التي رسمت حدود الدولة التركية الحالية ما أدى إلى اجهاض مشروع تأسيس وطن قومي للأكراد الذين توزعوا بين الدول الناشئة حديثا في العراق وسوريا وتركيا فضلا عن إيران وارمينيا.

مؤخرا عادت بعض الاحزاب الكوردية للمطالبة بانشاء دولة مستقلة من باب حق الكورد في تقرير المصير الذي كفلته القوانين والمواثيق والإعلانات الدولية، بالرغم من تمتع الاقليم بامتيازات تفوق ما يحصل في كل أقاليم العالم، من حيث الصلاحيات الإدارية والعلاقات الخارجية، والموارد المالية، التي جعلته بمثابة دولة مستقلة لا ينقصها غير الإعلان والاعتراف الدولي.

ونظراً للتوازنات الحساسة التي حكمت توزيع السلطة في الحكومة الاتحادية، لم تبدي بغداد مقاومة جدية لمطامح الكورد ونزوعهم للتصرف كدولة منفصلة، بل اقرت بحق الكورد بتحقيق حلمهم التاريخي لكن عبر الطرق السلمية وتحت الرعاية الأممية، وطالبتهم بانتظار الوقت المناسب لتحقيق ذلك.

غير ان بعض الاحزاب الكوردية لم تستكن لهذه المطالب، ومضت باجراء استفتاء شعبي يوم 25 أيلول/ سبتمبر، تمخض عنه نسبة مشاركة كبيرة ونتيجة ايجابية عالية، ما فاقم المشكلة هو قيام الإقليم بضم عدد من المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140 من الدستور العراقي، والتي كان يفترض ان تتم إدارتها بصورة مشتركة بين بغداد وأربيل وإجراء استفتاء فيها، وخاصة المناطق التابعة لمحافظة كركوك، التي فرضت قوات البيشمركة السيطرة عليها إثر انهيار قوات الجيش العراقي بعيد سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش في العاشر من حزيران/يونيو 2014.

بالتالي اصيبت القوى المحلية والدولية بخيبة امل جراء هذا السلوك الأحادي الذي اعتبر استغلالا من قبل قوى الاقليم، ما دفع الاطراف الدولية لعدم قبوله، واصدرت المحكمة الاتحادية المركزية قرارا بعدم دستوريته وطالبت بالغاءه، فيما اقدمت مؤخرا الحكومة العراقية على ارسال قوات أمنية لتعيد السيطرة على المناطق التي سيطر عليها الاقليم في محاولة لرسم الاطر الجغرافية مجدد.

الاسباب الكامنة وراء المواقف المعادية
لم يحظى استفتاء الانفصال باي تأييد يذكر دوليا، عدا بعض التصريحات العابرة التي صدرت من اسرائيل ودولة الامارات العربية.

عمليا لا ترتبط القضية الكوردية بكورد شمال العراق فحسب، بل هنالك اكراد في تركيا، وايران، وسوريا، بالتالي الموضوع معقد.

طهران وانقرة حازمتين برفضهما لاي موضوع يمكن له ان يسهم بقيام دولة كوردية، خوفا على رعاياها الكورد الذين يمكن ان يتاثروا ويطالبوا بالانضمام للدولة الوليدة، فيما قال المبعوث الأممي في العراق ان استفتاء الاقليم “غير دستوري” مطالبا القوى السياسية في بغداد واربيل بفتح باب الحوار، موقف الاخير نابع من الظروف التي يعيش فيها الاقليم في شمال العراق والتي تعتبر جيدة، إذ يتمتع بصلاحيات كبيرة ووضع أمني مستقر بل يعتبر واحة أمان ضمن حدود الدولة العراقية الغارقة بالدماء، وان حق تقرير المصير كما يفهم دوليا يرتبط بمجموعة بشرية تعيش ضغوط داخلية واعتداءات متكررة، كما حصل مع جنوب السودان التي كانت تعيش ظروفا معقدة وحروب أهلية ما دفع الأمم المتحدة بمنحها اعترافا لقيام دولتها المستقلة عام 2011 لاجل تحقيق السلام.

معرض الصور

طباعة طباعة