قصة مَلَك..“داعش غير حياتي – سرقوا سعادتي”

قصة مَلَك..
“داعش غير حياتي – سرقوا سعادتي”

2 ديسمبر, 2017 at 9:21 م

X

مَلَك تغسل الصحون، تصوير Oxfam

“غير داعش حياتي. لم يسمحوا لي بذهاب إلى أي مكان، سرقوا سعادتي. لم أتمكن من خروج إلى اشعة الشمس حتى لو استحصلت موافقة والدي”.

(مَلَك) ذي خمسة عشر عاما قالت تلك العبارات وهي تقف هادئة، خجولة، وحزينة للغاية بجانب النافذة في البيت تعتبره مع أسرتها منزل لهم.

وعلى غرار أغلبية الناس في قريتها التي تقع على بعد حوالي 60 كم جنوب الموصل في ناحية القيارة بالعراق، عاشت (مَلَك) وعائلتها تحت سيطرة داعش لأكثر من عامين.

وفي سن 12 عاما فقط، تعرضت لتعذيب النفسي بشكل يومي، كانت ترى منازل الجيران تفجر، وشاهدت افراد الشرطة يتم استبعادهم ويتعرضون للضرب والقتل. وأصبح الغذاء والماء والكهرباء يقل يوم بعد يوم، وفي نهاية المطاف حرمت (مَلَك) من التعليم والحريات، مما اضطرت لقضاء يوم بعد اخر محاصرة داخل المنزل.

“عندما وصل تنظيم داعش، قصفوا نقاط التفتيش. كانوا يضربون أو يقتلون قوات الأمن العراقية والشرطة ويدمرون منازلهم. كانت الحياة سيئة للغاية، عانينا الكثير. عانى الجميع. لم يسمح لنا داعش بالخروج، وإذا اضطررت، كان علي أن أغطى نفسي تماما. لم يسمحوا لنا بالذهاب إلى المدرسة ولم أتمكن من زيارة أقاربي بمفردي. لم يسمح بأي شيء. لم أر جدتي لمدة ثلاث سنوات”، بهذه العبارات تصف (مَلَك) حياتها في ظل حكم داعش.

في عام 2014 عندما سيطر تنظيم داعش على منطقة القيارة، حينها فقد الاسر وظائفهم الحكومية كالمعلمون والأطباء عن استلام رواتبهم، وغالبا ما كان المسلحين يأخذون المواشي المواطنين. وكان التعليم الوحيد هو منهج داعش وعلى ذلك أثر قررت معظم الأسر الابتعاد عنه.

واضطرت الفتيات إلى تغطية أجسادهن بأكملها عند مغادرة المنزل، بما في ذلك اعينهن، وكان عليهن أن يصحبهن رجل في جميع الأوقات في حالة خروجهن من المنزل. كان مسلحي داعش يعاقبون الشباب والشبان الذين كانوا اسرهم يخالفون تعليمات التنظيم.

“قبل داعش الحياة كانت رائعة. كان جنة. كنت اذهب إلى الموصل والقيارة وكنت ازور الأقارب. كنت استيطع ان اخرج من المنزل لوحدي. لكن داعش غيرت حياتي، دمرت داعش مستقبلي. حرموني من التعليم عندما أردت الذهاب إلى المدرسة “.

الأسر في القرى وبلدة القيارة حكمت من قبل داعش لعامين، وبعد ذلك بدأت عمليات استعادة الموصل من قبضة داعش من قبل القوات العراقية، حينها تعرض الناس الى نوع اخر للقمع، التي وقعت بين الخطوط الأمامية للقوات العراقية ومسحلي داعش، وكانوا يرون منازلهم تقصف ويشاهدون اسرهم واصدقائهم يموتون وهم يحاولون الهروب من القتال. وشاهد العديد من الشباب في القيارة آبائهم وأشقائهم الذين قتلوا، إما من قبل داعش أو في القتال لاستعادة المنطقة من التنظيم. (مَلَك) كانت واحدة من هؤلاء الشباب[1].

في حين هرب معظم الأسر عندما بدأ القتال قرب قرية (مَلَك)، لكن عائلتها قررت البقاء والانتظار. ولم يعرفوا أن هذا القرار سيترتب عليه عواقب وخيمة.
خلعت (مَلَك) حجابها وهي تحاول أن تحكي قصة ما حدث: “الكثير من الناس غادروا أثناء القتال لكننا بقينا مع الجيش. ولكن بعد ذلك وقعت احد قنابر الهاون التي اطلقها داعش على منزلنا، على اثرها توفيت والدتي وشقيقتي وأصيب والدي. نقلهم الجيش العراقي جميعهم الى المستشفى لكن والدتي وشقيقتي توفيتا في الطريق”.

حازم اسماعيل والد مَلَك – تصوير Oxfam

والد (مَلَك)، حازم، يضع ذراعه حول أكتاف بناته ويتطلع إلى سقف الغرفة التي يقفون فيها. “وقعت قنبرة هاون على السقف وسقطت على زوجتي وطفلتي اثناء النوم. اصابتها الشظايا من رأسها إلى خصرها. ابنتي الأخرى ألقيت عبر الغرفة لأنها كانت قوية جدا. كان الشعر والجلد زوجتى على جميع أنحاء الجدار. لقد قمنا بتنظيفه الآن ولكن عندما نأتي إلى هنا نتذكر ما حدث ونفكر في عائلتنا. ذلك يحزننا لاننا نفتقدهم”.

ودفنت والدة (مَلَك) وشقيقتها أمام المنزل في قبر ملحوظ فقط بالحجارة. تقف (مَلَك) على الأرض التي غطت عظام والدتها، وتتذكر كيف تُركت لوحدها بعد ضرب هاون منزلهم، والدتها ميتة والدها مصاب ويتلقى العلاج في المستشفى، عليها ان ترعى أشقائها في مخيم للنازحين.
“في المخيم، كانت الظروف جيدة ولكن لم يكن معي أمي ووالدي، شعرت بالوحد. كان علي أن أهتم بأخي الصغير الذي لا يزال يريد أن يرضع. كنت أعاني له” هذا ما قالته (مَلَك).

إن الصراع الداخلي الحالي في العراق، والتشرد الذي تسبب فيه، والعدد المتزايد من الناس العائدين إلى ديارهم، إلى جانب الأزمات السياسية والاقتصادية التي تواجه البلاد، هي سلسلة من الاضطرابات المستمرة عصفت بـ”جيل 2000″ وهو مصطلح يقصد به الشباب الذين ولدوا بعد الغزو بقيادة الولايات المتحدة وفي خضم الحرب الطائفي. وقد أصيب الشباب في العراق بشكل خاص بهذه الأزمة، تعرضوا للعنف، وتوقف تعليمهم، وتم استهدفهم للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة.

في ناحية القيارة، التي تم استعادتها من داعش في سبتمبر 2016، عادت معظم العائلات الآن. وتركز المجتمعات المحلية على إعادة بناء منازلهم وحياتهم، وتعويض عامين من فقدان التعليم وإيجاد فرص عمل لدعم أسرهم. الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء غير كافية، وأحيانا ليست موجودة، ومعظم الناس ليس لديهم دخل، مما دفع الكثير من الشباب والفتيان للانضمام إلى الميليشيات المحلية لكسب بعض المال.

(مَلَك) هي واحدة من آلاف الشباب الذين عادوا للعيش إلى القيارة. حتى قبل داعش، يمكن أن تكون الحياة صعبة بالنسبة لهم حيث فرص التعليم والعمل محدودة، ومختلف الجماعات المسلحة والعصابات الإجرامية تنشط في المنطقة و تعمل على الخطف والنهب وترويع الأسر، ويعتمد الاقتصاد الأسر على العمل في وظائف حكومية، بما في ذلك في قوات الأمن.

وبعد ان عادوا إلى ديارهم هناك شعور بالأمل بين الشباب في القيارة. ولكن هناك أيضا شعور بأنهم يتوقعون أن يكون السلام قصير الأجل وأنهم يائسون عن مستقبلهم لأنهم فقدوا عامين من تعليمهم ولا يزال ايجاد فرص العمل صعبا.

مَلَك فقدت امها – تصوير Oxfam

تواجه (مَلَك) بعدما فقدت والدتها، التي تفتقدها كثيرا، مستقبلا غير مؤكدا، فإنها لا تزال تلعب دورا رئيسيا في الأسرة كشقيقة كبرى لأشقائها الصغار. ولم تتمكن من العودة إلى المدرسة لكنها تأمل في يوم من الأيام قد تتاح لها الفرصة.

“أتمنى أن أستيقظ وكل أحلامي قد تحققت، لدينا منزل جديد، وظروف أفضل، ومزيد من المال، وحياة جديدة حيث كل شيء آمن. عدنا هذا الصيف، وعادت جميع العائلات معا من المخيم. دمرّ منزلنا لذلك نبقى في منزل جدي. أريد أن أذهب إلى المدرسة – وأتساءل عما إذا كان ذلك ممكنا. أشعر بحرية الآن، أستطيع الذهاب إلى أي مكان والتحرك لأنه آمن. رغم ذلك أنا لست سعيدا كوني فقدت أمي وأختي وأنا حزينة جدا.” بهذه العبارات وصفت (مَلَك) احلامها ورؤيتها لواقعها الحالي.

ولمساعدة العراقيين مثل (مَلَك) على التعافي والنمو في نهاية المطاف، وضعت منظمة أوكسفام مجموعة من البرنامج والتوصيات لوكالات المعونة والجهات المانحة. ومن بين الأولويات الأخرى، تدعو منظمة أوكسفام إلى دعم الشباب الذين فقدوا عامين من التعليم؛ وفتح مراكز التي يمكن للشباب التفاعل فيها، والوصول إلى الخدمات الرئيسية؛ وللمشاركة الكاملة للشباب في عملية العودة والتعمير والمصالحة.

وقد قدم فريق أوكسفام هذه التوصيات مؤخرا إلى صانعي السياسات من المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي وإدارة المملكة المتحدة للتنمية الدولية ووزارتي خارجية ألمانيا وبلجيكا. وستستمر عمل أوكسفام للشباب العراقي في الشهر المقبل، مع تنظيم فعالية رفيع المستوى في بغداد في يوليو / تموز.

[1] تعرف الأمم المتحدة الشباب كشخص تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عاما.

معرض الصور

طباعة طباعة
32 مرة مشاهدة