34 سنة و الحلم واحد!

34 سنة و الحلم واحد!

7 فبراير, 2018 at 9:15 م

ئازاد عثمان

مرت ثمانية اعوام على عمل اول اذاعة اهلية في كرميان (اذاعة دەنگ)، اذاعة تدعم صوت الحر والمرأة والمهمشين في المنطقة، وتعمل فيها كادر من الشباب والشابات بصورة تطوعية. كتب احد اعضاء الهيئة التأسيسية لاذاعة الصوت هذا المقال مع مدير عام الاذاعة وينشره (كركوك ناو) مرة أخرى بمناسبة مرور ثمانية اعوام على تأسيس الاذاعة.

اثناء مشاركتي في زمالة “أريج” – إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية، في عمّان – تشرين الأول 2017، طلبوا مني كتابة مقال عن حياتي و عملي في صحافة، و أنا كتبت ما يلي، التي أنشره اليوم تزامناً مع ذكرى ثامنة لتأسيس أذاعتنا ” دەنگ”.

في المرحلة الأبتدائية، لم نعتد أن نسمع من معلمين موضوعاً خارج المنهج المدرسي، لكن يوما ما حين كنا في الصف الخامس، أقدم أستاذ محمد سعيد على تجربة شيء مختلف معنا، إذ سألنا: “ماذا تريدون أن تصبحوا في المستقبل”؟

أجاب الطلاّب عن هذا السؤال واحدا بعد الآخر. أكثر الأجوبة كانت: إما طبيبا أو مهندسا أو محام؛ وهي المهن التي تفضّلها عائلاتهم. عدد قليل منهم، لمجاملة المعلم، استشرفوا أن يصبحوا معلمين.

وحدي أنا لم أقدم إجابة عن هذا السؤال، لأنني أردت أن أصبح فناناً أو صحفياً، وأنشىء إذاعة في بلدتي. ولم يكن ذلك الحلم ضمن الخيارات المطروحة من المعلم.

في تلك المرحلة، التي عانى وطني خلالها من حصار اقتصادي ثنائي: من المجتمع دولي ومن حكومة العراق، كان معظمنا يتنقل بين مقاعد الدراسة والعمل في ذات الوقت؛ أي إذا كان دوامنا المدرسي صباحا، فيجب أن نعمل بعد الظهر.

إلى جانب الدراسة والعمل، في أيام الجمعة كنت أقدّم برنامجا للأطفال في إذاعة محلية، كما كان لي نشاطات فنّية أخرى، إذ كنت من المغنين المشهورين في مدرستنا!

خلال 15 سنة، تغيّر كثير في حياة هذا الطفل؛ منها إلى السيء ومنها إلى الجيد. كبر الطفل دون أن يستمتع بطفولته؛ كبر وقد فقد أباه و أمه، لكن شيء واحد بقي معه؛ وهو حلمه.

أنهيت المرحلة الإعدادية بدرجة متواضعة، وأدرج اسمي ضمن المقبولين في معهد المعلمين. لكنني قرّرت أن حان الوقت لكي أعمل في سبيل تحقيق الحلمي، لذا قرّرت الدراسة في معهد الصحافة، الأمر الذي أدّى إلى استهزاء عدد من أفراد عائلتي بهذه الفكرة. أذكر سخرية خالي (رحمه الله) في ذلك الوقت: “هذا القسم الذي تدرسه، تشبه في غرابته السيارات الأمريكية، لا يفهمها الميكانيكيون”.

أنهيت الدراسة في المعهد، بالتوازي مع حدث كبير في وطني: سقوط (صدام)؛ ذلك الشخص الذي كلما يذكر اسمه أتذكر إما التشرد والنزوح أو الجوع و الخوف.
بدأت العمل كصحفي في بلدتي “كلار”، أولاَ كمراسل ثم محرر في إذاعة تهتم بشؤون النساء والأسرة. بعد فترة أصبحت مدير الإذاعة، ولازمتني السخرية هذه المرة أيضا: “رجل بشواربه الكثيفة يصبح مديرا لإذاعة نسائية”! لكنّ سبب انخراطي في هذا العمل أن مسألة حقوق المرأة عندي مبدأ وليس وظيفة، لم أعر اهتماماَ بالساخرين.

وصلت لمرحلة تكوين عائلة، لكن هل يتركني حلم الطفولة لأخطوا خطوات أو أبدأ بمشاريع اخرى؟ خاصةً و أنه لم يبق مجرد حلم بل بات ضرورة، وهذه المرّة ليس لوحدي فقط، و إنما لمجتمعي أيضاً.

كرميان منطقة تابعة لمحافظة السليمانية يسود فيها طابع شبه عشائري قبلي تحت سيطرة حزب الأتحاد الوطني الكردستاني. وكان جلال طالباني يكنّيها “قلعة خضراء” تيمنا بلون علم الحزب. هذه المنطقة كانت من أخطر المناطق لجهة العمل الإعلامي الحر، لكن المتغيرات السياسية والأجتماعية كانت في طور التكوين، وقد أفضت بالضرورة إلى أن تكون للصحافة دور فيها وتساهم في تشكيل الوعي لدى المواطنين في سبيل تطوير المنطقة و مجتمعها.

في سنة 2010، قرّرنا تأسيس إذاعتنا على نفقتنا الخاصة؛ صديقي (جزاء) وأنا التي كان ساهم بكثير من ماله الشخصي التي دخره في عمله بمطعم لبيتزا في “سويد”. و أنا وضعت في هذا المشروع جميع نقودي التي كنت أدخرته لمشروع الزواج و ظلمت بها حبيبتي “فيان” التي كانت مستعدة كما دائماً، لكي تضحّي من أجلي.

صحيح أن تأسيس إذاعة (دەنگ) أي “الصوت” بالعربية، كان حلما يتحقق بالنسبة لي، لكنها كانت حدثا خاصا بالنسبة لمنطقتنا أيضاً، كونها أول أذاعة مستقلة حرة تؤسس في منطقة، جلّ ما كان السلطويون (الكورد) يفعلون فيها هو تبييض وجه أسلافهم العرب البعثيين.

واجهنا السلطة في أول أسبوع من البث. وخلال عشرة أشهر أغلقوا “صوتنا” مرتين واستدعونا أكثر من مرة إلى الدوائر الأمنية. وتراكم كم كبير من المضايقات؛ بسبب أنهم لا يقبلون في منطقة نفوذهم أي صوت يغني خارج جوقتهم، بخاصة إذا كان هذا الصوت يتكلم علنا عن بطشهم وسوء إدارتهم، ويستعرض ملفّات فسادهم وفضح تعرضهم للأحرار.

وفي سنة 2011، وقع ما هو أسوأ. هذه المرة أقدموا على تدمير مقر الإذاعة، بعد أن أخذوا ما استطاعوا أخذه من الأجهزة والوثائق.

في هذه اللحظة شعرت بانهيار وسيطر التشاؤم لأول مرة على الصعيد الشخصي. لكن في المقابل حدث شيء غمرني بالتفاؤل، ذلك أن مئات الناس تجمهروا حول الإذاعة وأطلقوا حملة لجمع التبرعات لها والوقوف إلى جانبها. واستطعنا معهم بناء الإذاعة مرة أخرى.

وأنا أسرد هذه التفاصيل، لا أستطيع أن أبعد عن مخيلتي مشهد امرأة ملفوفة بعباءة جاءت إلى مقر الإذاعة وتركت على منضدة عشرة آلاف دينار (سبعة دولارات) تبرعا للإذاعة. بعد مدّة عرفنا أن اسمها “أم محمد”؛ وهي إحدى مستمعاتنا الدائمين.

هذه الأحداث كانت كافية لكي نقرّر حينها بأن الإعلام الحر بات مصيراً لنا، وهذا المصير لم يفرض علينا، بل اخترناه بمحض إرادتنا.

ومنذ ذلك الحين نواصل عملنا، عسى أن نكون “صوت الحر في خدمة الحرية”، كما هو شعار إذاعتنا.

أحياناً تسألني ابنتي حين تسمع صوتي عبر الأثير: “بابا متى نذهب للإذاعة وأقوم أنا بالإلقاء؟” أضحك وأجيبها: “يبدو أننا في وطن أصبح فيه كل شيء بالوراثة، فأنت يا (دةرو) ترثين منّي هذه المشقّة الحلوة”.

معرض الصور

طباعة طباعة