الطعون والشكوك واحتمالات الإلغاء تحاصر نتائج الانتخابات

الطعون والشكوك واحتمالات الإلغاء تحاصر نتائج الانتخابات

26 مايو, 2018 at 5:11 م

كركوك، 12 أيار 2018، بدء التصويت العام لانتخابات مجلس النواب العراق في احد مراكز الاقتراع تصوير: كركوك ناو

ياسين طه

فشلت الجلسة البرلمانية الثانية الطارئة لبحث نتائج الانتخابات في الانعقاد، بسبب عدم اكتمال النصاب، إلا أن ما تم عرضه في جلسة الخميس “24 آيار” من قبل بعض النواب، حول سير العملية، من أدلة وادعاءات حصول عمليات التزوير، عمّقت الشكوك حول الاستحقاق الديمقراطي، أعقبها قرار من مجلس الوزراء بتشكيل لجنة للتحقيق في تلك مزاعم التزوير ما يجعل القضية مفتوحاً على كل الاحتمالات ولأجل غير مسمى.

توجه نحو 11 مليون ناخب عراقي بحماس الى صناديق الاقتراع في الـ 12 من آيار ضمن استحقاق انتخابي كان من المفترض أن يكون “عرساً ديمقراطياً” في بلد يعتمد النظام البرلماني في دستوره الفتي، إلا أن تزايد ارتفاع الاحتجاجات والطعون على سير العملية، وموجة الشكوك التي لاحقتها، طغت على الجوانب المضيئة من هذه المحطة الديمقراطية الهامة بحسب مراقبين.

الانتخابات الأخيرة كانت خامس عملية اقتراع بالاضافة مع استفتاء الدستور (2005)، ما دفع الكثيرين الى افتراض اجرائها بسلاسة وسهولة، من الناحية التنظيمية نظراً للتجارب المتراكمة، إلا أن سير العملية الأخيرة، شابه الكثير من الانتقادات والشكاوى، فيما تسعى جهات نافذة الى إلغاء نتائجها، وإجراء انتخابات جديدة أكثر نزاهة مكانها، في مؤشر واضح على عدم الثقة بالعملية، وفي حال تكلل تلك الجهود بالنجاح، فسيصبح إلغاء النتائج سابقة سلبية للعمليات الانتخابية المقبلة.

الشكوك حول الانتخابات الأخيرة وادعاءات تهكير النظام انطلقت فور انتهاء العملية الانتخابية من اقليم كوردستان، أعقبها توجيه من رئيس الوزراء حيدر العبادي، وتزامناً مع تصاعد الحديث عن وجود عمليات تزوير وخروق، لهيئة النزاهة بالتحقيق مع”المفوضية العليا للانتخابات” لأنها لم تتعاقد مع شركة لفحص أجهزة الاقتراع الإلكترونية.

وذهبت المفوضية لاستخدام “التكنولوجيا الحديثة” في الاقتراع الأخير، تطبيقاً لمطالب البرلمان عبر القانون الانتخابي الذي ينص على الفرز الإلكتروني، من أجل ضمان نزاهة الانتخابات وتسريع إعلان النتائج، إلا أن ظهورها تأخرت لمدة اسبوع رغم صرف 133 مليون دولار من خزينة الدولة لشراء تلك المعدات والأجهزة.

التأخير الذي حصل في إعلان النتائج، أفسد التفاؤل بسرعة الإعلان، وفتح الباب في نفس الوقت أمام موجة من التشكيك والاتهامات، حول التلاعب بالنتائج، واضافة اصوات لمرشحين من أصوات الخارج والاقتراع الخاص، لمرشحين دون غيرهم، ما أفقد ثقة الناخبين بالعملية بمجملها، وظهر هذا جلياً في التظاهرات والاعتصامات التي شهدتها بوابات المنطقة الخضراء وسط العاصمة ومحافظات المثنى والبصرة والنجف فضلاً عن اعتصامات كركوك.

الجهاز الالكتروني الخاص بفحص البطاقات الانتخابية، تصوير كركوك ناو

ورغم إعلان المفوضية أكثر من مرة جهوزيتها التامة لإجراء الانتخابات، إلا أن الخلل والارتباك في كثير من المراكز والمحطات كانا سيد الموقف، بسبب ضعف التدريب والتجهيز، الى درجة أدى خلل في تدريب الكادر الانتخابي في أحد مراكز العاصمة الكائنة في الكرادة، لابطال صوت شخص رئيس الوزراء حيدر العبادي، حسب تصريح رئيس أول مفوضية انتخابية في العراق “عادل اللامي”، بسبب وضع الكارت الانتخابي مقلوباً داخل الصندوق، وعدم مروره بعداد الجهاز الإلكتروني الذي يحسب الأصوات.

الاعتراضات على المفوضية لا تنحصر بالتجهيز والتأخير في إعلان النتائج، بل تشمل اتهامات بعدم استجابتها للشكاوى المتعلقة بالعملية الانتخابية، وغلق أبواب المفوضية، امام الكيانات السياسية، وفق بيان نائب رئيس البرلمان آرام الشيخ، ورسالة صوتية من مقرر لجنة النزاهة، النائب عادل نوري، نشره عبر مجموعات إلكترونية خاصة للصحفيين.

الامتناع عن الرد على الشكاوى والطعون من قبل المفوضية، اضافة الى اغلاق بابها بوجه الكيانات السياسية، وحتى اللجان البرلمانية، فاقما من حجم الشكوك حول مصداقية عملها والنتائج الصادرة عنها، اضافة الى ذلك فقد بدأت المفوضية بتسليم القوائم الانتخابية المشاركة في الانتخابات، بنسخة الكترونية للنتائج في قرص صلب (hard disc) بعد مرور نحو اسبوعين على الاقتراع، رغم أن الاجراءات تقتضي تسليمها خلال مدة أقصاها 72 ساعة، وفق قرار صادر من المفوضية نفسها، في الـ 22 من نيسان الماضي، وهذا التأخير دفع المتنافسين للتشكيك بمصداقية النتائج المعلنة والأصوات المحسوبة لهم.

وبعد موجة من التظاهرات والاعتراضات قررت مفوضية الانتخابات، الغاء 103 محطة اقتراع في عدد من المحافظات (الانبار، نينوى، صلاح الدين، بغداد، اربيل)، بعد أن قامت بالنظر في الطعون التي قدمت إليها، فيما بينت انها مستمرة بتسلم الطعون والشكاوى التي بلغت 1436 طعناً في عمليات التصويت الخاص والعام والخارجية، لكن الشكوك المثارة حول النتائج كانت أكبر بكثير من هذه الاجراءات العادية، حيث ادعى النائب مشعان الجبوري في الجلسة الاستثنائية التي حضرها نحو 140 نائباً وجود أدلة مصورة حول عمليات بيع وشراء أصوات مراكز في الخارج خاصة في الجارتين الأردن وسوريا.

كركوك، 2014، عدد من موظفي مفوضية الانتخابات في مركز عد وفرز الاصوات لانتخابات الدورة السابقة لمجلس النواب تصوير: كاروان الصالحي

وقبل ذلك انشق العضو في مجلس المفوضين، سعيد كاكائي، عن زملائه ووضع مجمل العملية الانتخابية تحت مظلة الشكوك والانتقاد، بر برامج تلفزيونية، ومنشورات في الفيسبوك، وشدد على أن وسائط النقل والفلاشات التي بلغت أعدادها (52936) فلاشاً، وصلت بشكل ناقص الى المفوضية، وفُقدت وضُيعت نحو (10653) منها في الطريق، خاصة الوسائط التي كانت تتضمن نتائج محافظات الأنبار، نينوى، أربيل، السليمانية، دهوك وكركوك.

وبحسب كاكائي، فإن وسائط نقل 12% من نتائج كركوك من مجموع 90% للنتائج، وصلت الى بغداد بشكل كامل ومضبوط، حيث وصلت (1887) فلاشاً من مجموع (2146)، إلى مقر المفوضية في بغداد بشكل كامل.

وردت المفوضية على تصريحات كاكائي، بإبعاده عن مزاولة عمله لمدة 60 يوماً، وأحالته الى التحقيق، وفضلاً عن وسائط النقل، كشف كاكائي عن عدم وجود جهاز تقاطع البصمة، ما يفسح المجال للتزوير أو التلاعب في تصويت الخارج وغير المحدثين لبياناتهم حسب نظام البايومتري، كما کشف عن إجراء الانتخابات دون أخذ شفرة البرنامج المركزي (source code) ما عرض البرنامج لخطر الاختراق من خارج النظام.

وفي بعض المناطق الخاضعة لسيطرة داعش، خاصة مناطق الايزيديين في نينوى، توجه الناخبون بشغف لصناديق الاقتراع، لكن تعقيدات تصويت النازحين أدت الى حرمان قضاء سنجار المفجوعة من التمثيل النيابي لأول مرة منذ 2003، رغم رمزية المدينة الكبيرة لمأساة المكون الايزيدي.

النائبة الإيزيدية فيان دخيل من نينوى، حمّلت المفوضية مسؤولية حرمان سنجار من التمثيل النيابي، نظراً لاتباعها طريقة التصويت المشروط، الذي تسبب بفقدان نحو 80% من أصوات نازحي القضاء الساكنين في المخيمات.

بيانات المراقبين وبينها بيانات هيئة رئاسة مجلس النواب تؤشر تداعيات خطيرة لما حصل في العملية الانتخابية الأخيرة، من جهة فقدان الثقة بالعملية الديمقراطية، وامكانية اجراء التغيير عبر السبل الديمقراطية، فضلا عن ذلك عرضت الشكوك والتظاهرات في كركوك وسهل نينوى السلم المجتمعي للخطر في تلك المجتمعات الهشة أمنياً، وسط مخاوف من عزوف أكبر للناخبين عن العملية الديمقراطية، فيما يتجه البلاد نحو انتخابات محلية مقبلة نهاية العام الجاري.

ففي عام 2010 شارك نحو 62% من الناخبين العراقيين في الانتخابات، لكن النسبة نزلت في 2014 إلى نحو %60، وتدنت لأقل من 45% في 2018 ، فيما لم تتجاوز نسبة المشاركة في بغداد العاصمة 33% ، حيث شارك في التصويت نحو 1 مليون 900 ألف شخص من مجموع نحو 6 ملايين شخص يحق لهم الاقتراع بشكل قانوني، وتعزز المقاطعة الحالية شكوكاً باحتمال اتساع رقعة العزوف في الاستحقاقات المستقبلية.

بغداد، 24 ايار 2018، اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء حول الانتخابات، تصوير اعلام رئيس المجلس

وفي آخر جلسة طارئة لمجلس الوزراء شاركت فيها ممثلو جهاز المخابرات، والأمن الوطني، والسلطة القضائية، تقرر إلزام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات من قبل الهيئة القضائية، بتزويد الكيانات السياسية بنتائج الانتخابات، واستمارات النتائج، وفي نفس الاجتماع الذي حضره خبراء تقنيون، أقر المجتمعون بإمكانية خرق النظام الإلكتروني للتصويت، مع التأكيد على ضرورة استلام الشكاوى والطعون حول الخروقات المتداولة والبت بها من قبل الناخبين، وتقرر تشكيل لجنة موسعة رفيعة المستوى لمتابعة سير التحقيقات.

اللجنة المشكلة من رئاسة الوزراء لمتابعة نتائج الانتخابات، تشارك فيها أطراف أمنية، واستخباراتية، و تستند الى المعلومات السرية، وسط حيث للقانونين بامتلاك اللجنة صلاحية عدم ذكر مصادرها، واطلاعها على جميع الوثائق المتعلقة بالانتخابات، والانظمة الالكترونية، وجميع الاجهزة المستعملة في العملية الانتخابية، فيما نقل زوار للعبادي مؤخراً حديثه باحتمال إلغاء جزء من نتائج الانتخابات، أو جميعها، على ضوء التحقيقات.

وفي حال حصول الإلغاء الجزئي أو الكلي، تتغير مواقع الكتل وعدد مقاعدها، وتسلسل مرشحيها بعد الإعلان عنها، ويلطخ سمعة العملية الانتخابية أكثر.

معرض الصور

طباعة طباعة