بلد النهرين يعطش والاسباب لاتنحصر في تركيا وايران

بلد النهرين يعطش والاسباب لاتنحصر في تركيا وايران

6 يونيو، 2018 at 11:49 ص

نينوى، 2017، سد الموصل رابع أكبر سد في الشرق الاوسط تصوير: سينا محمد/ وكالة ميتروغرافي

ياسين طه

لا يخرج العراقيون من أزمة حتى يدخلون معاناة أخرى، فبعد اعلان انتهاء حرب مكلفة بشرياً ومادياً ضد داعش، اصطدم سكان المدن العراقية الواقعة على ضفاف نهر دجلة بانخفاض حاد لمناسيب مياه النهر الذي ارتبط اسم العراق به منذ آلاف السنين بعد تشغيل السطلت التركية سد أليسو، ووجد سكان مدينة ”قلعة دزة“، أنفسهم بلا ماء الشرب، جراء قطع السلطات الإيرانية نهر الزاب الصغير الذي يُعد أحد أهم روافد دجلة.

الجفاف الذي عبر عنه ناشطون عراقيون على مواقع التواصل بـ “العراق عطشان” تزامن مع مطلع حزيران الذي يصادف بداية موسم “مربعانية القيظ“، ما يهدد بجفاف أكثر قساوة ف قادم الأيام حينما يصل الموسم ”الجمرة“، وقد يؤدي إلى إتلاف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التي طلما اشتهرت به العراق كـ “أرض السواد”.

أسباب الأزمة

يحتاج العراق الى ما لا يقل عن (30-50) مليون متر مكعب سنوياً من مياه الشرب والطعام حالياً، وضعف هذا الرقم خلال العقدين القادمين، وأضعاف ذلك للاستخدامات غير الزراعية، في ظل معاناة كبيرة من مشاكل مائية مركبة ومتراكمة منذ عقود، إذ إن منابع نهري دجلة والفرات تقع خارج حدوده، وتسيطر عليها تركيا وسورية وإيران، وتراجعت الكميات النهرية الواردة التي تشكل 70% من وارداته المائية، من خارج الحدود بمعدل 50% تقريباً بسبب سدود دول الجوار، فيما يشهد البلاد والمنطقة بشكل عام انحساراً لهطول الأمطار في المواسم الأخيرة، حيث تراجعت معدلات الأمطار والثلوج في العراق بنسبة 30% في السنوات الأخيرة، في وقت تشكل نحو 30% من موارده المائية.

وتراجعت الكميات النهرية الواردة التي تشكل 70% من وارداته المائية، من خارج الحدود بمعدل 50% تقريباً بسبب سدود دول الجوار

سياسات إيران المائية

تسعى السلطات الإيرانية لتحويل مسار الأنهار التي تتدفق باتجاه العراق ضمن شريط حدودي يبلغ 1425 كم، لتبقى داخل أراضي بلادها ضمن “سياسة عامة ايرانية” وفق تعبير مساعد وزير الخارجية، عباس عراقجي. وايران بدورها تتعرض لمخاطر الجفاف مثل العراق، حيث اعتبرت سلطات طهران هذا العام الاكثر جفافاً منذ 50 عاماً.

السياسات المائية الإيرانية تحرم العراق من حصته المائية، وتسبب بتجفيف الكثير من الروافد والأنهار، بينها نهر الوند فى خانقين، وتقليل مناسيب نهر سيروان ودوكان عبر اقامة مشارع اروائية، وقطع الزاب الصغير اضافة الى مياه الكارون والكرخة والترويج، ما زاد من ملوحة وتلوث مياه شط العرب، تمخضت عنها فقدان البصرة ومدن جنوب العراق أهم مصدر للمياه الصالحة للشرب. وكان العراق يشترك مع إيران من خلال 45 رافدا مائيا، لم يبق منها اليوم سوى ثلاثة أو أربعة فقط بحسب وزارة الموارد المائية العراقية.

اليونيسيف والمنظمات الدولية يزودون الجانب الايسر من مدينة الموصل بأكثر من 150 تنكر ماء تصوير: UNICEF Iraq/Khuzaie

مشروع “كاب” التركي
المشكلة القائمة مع إيران بشأن الأنهر والمياه، هي نفسها مع تركيا التي اقامت سد اليسو على نهر دجلة، ضمن مشروع كاب التركي الذي يتضمن بناء قرابة 22 سدا، 14 منها على نهر الفرات، و8 على نهر دجلة، ضمن خطة تركية لتنمية منطقة الأناضول التي ينتشر فيها الفقر والبطالة والعصيان ضد النظام، اضافة الي استخدامها كورقة ضغط سياسية، مع العراق الذي يشكل بوصلة رئيسية لمطامعها التاريخية.

مشروع كاب يعد ترجمة للموقف الوطني التركي الذي يعتبر نهري جدلة والفرات “نهران وطنيان تركيان“. وتعتبر تركيا النهران ارثا خاصا بها وتعتبر الماء كالنفط بعد ظهور فكرة بيع المياه للخليج والأردن قبل سنوات، خلافاً للحقائق التاريخية حيث اشتهر العراق كبلاد مابين النهرين منذ فجر التاريخ، وخلافاً للعهود والمواثيق الدولية خاصة قواعد هلسنكي (1966) التي تنص على أن كل الدول الشاطئة للأنهار أو البحيرات المائية من حقها الحصول علي قدر معقول ومتوازن من المياه.

تركيا تستخدم السدود كورقة ضغط سياسية، مع العراق الذي يشكل بوصلة رئيسية لمطامعها التاريخية

سد “أليسو”

يقع السد على نهر دجلة قرب قرية أليسوا التركية جنوب شرق تركيا، وبدأ العمل فيه بشكل رسمي عام 2006، و يمتلك خزاناً سعته 10.4 مليار متر مكعب بحسب المصادر التركية، واستكمل بناء السد وسط شكوك حول حاجة تركيا الى مصادر جديدة للطاقة في ظل إهمال استغلال كافة امكانيات البلاد.

سيعمل هذا السد على تقليل واردات نهر دجلة بنسبة 60% عبر تقليل كميات مياهه من 20 مليار متر مكعب الى نحو 9 مليار بحسب دراسة ”دائرة العطش“ المنشورة من قبل اي ـ كتب اللندنية. ويؤدي السد إلى احداث تغييرات في نمط حياة السكان القاطنين على ضفاف دجلة، وتوزيعهم الجغرافي مروراً بوضعهم الاقتصادي ووصلاً الى تردي حالتهم الصحية جراء ازدياد نسب التلوث النهري والجفاف.

المدن العراقية التي تتعرض لآثار أليسوا عند حلول موعد ملئه بشكل كامل هي 5 مراكز محافظات و13 قضاءً و 21 ناحية، ما سيزيد من مخاطر الهجرة الى المدن الكبيرة، فضلاً عن انخفاض الانتاج الزراعي وتراجع المراعي والحقول، حيث توقع خبراء أن يقضي المشروع على ثلث الأراضي الزراعية خلال ربع قرن ما يعني فقدان الملايين أعمالهم الزراعية.

المدن العراقية التي تتعرض لآثار أليسوا هي 5 مراكز محافظات و13 قضاءً و 21 ناحية

سوء ادارة الثروة المائية

فضلاً عن معاقبة الطبيعة ودول الجوار، يوشر الخبراء والمعنيون تجاوزات واستهلاكيات طائشة للمياه في العراق، اضافة الى تهالك نظام الري الزراعي ”السومري“ الذي يفقد البلد الكثير من امكانياته المائية الموجودة، كما ينتقد آخرون انتشار زراعة الشلب الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه.

وخلافاً لأجواء الفرح التي سادت اثناء فترة ادراج الأهوار ضمن لائحة التراث العالمي، انتقدت جهات مختصة تبخر كمية المياه اللازمة في انعاشها سنويا في وقت تتسابق فيه الدول للحفاظ على قطرة ماء، وفي هذا السياق ذكر محافظ نينوى السابق، المهندس أثيل النجيفي، أن كمية المياه المتبخرة من احد الأهوار اكثر من المياه المطلوبة لتشغيل ري الجزيرة بجميع أقسامه الذي يروي اكثر من 1 مليون و 400 ألف دونم أرض، واقترح مختصون تحديث الإرواء و استعمال طريقة الزراعة المقننة في الأمد الطويل مما يقلل استعمال المياه الى ٢٠% مما هو عليه الان وتنهي مشكلة التملح المزمن.

الحلول عبر السدود

أنشأت السلطات العراقية 7 سدود خلال فترة الحرب العراقية _ الإيرانية، وسدان خلال الحصار الاقتصادي في التسعينات، لكن بناء السدود توقف بعد 2003، لأسباب تتعلق بغياب التخطيط، وانتشار الفساد وعدم وجود التمويل، في وقت تتسابق جيران العراق لبناء سدود ضخمة ومشاريع اروائية بكلف باهضة، واكتفت السلطات العراقية بصيانة السدود القديمة التي تشكل بعض منها خطراً وتهديداً مثل سد الموصل الذي يعد من اخطر السدود عالميا، وفق تقرير فريق المهندسين الامريكي في 2007.

أهملت السلطات مشاريع الري وتوقفت منذ سنين عن انشاء المشاريع الكبيرة التي توفر المياه، في وقت انفقت عشرات مليارات الدولارات، على خطط وعسكرة وعقود فاشلة ونفقات استعراضية استهلاكية بحسب تقارير دولية ومحلية للرقابة والشفافية.

نينوى، 2017، سيطر مسلحي داعش لاكثر من عامين على سد الموصل تصوير: سينا محمد/ وكالة ميتروغرافي

التفاوض مع تركيا

يتفق ساسة وخبراء على أن العراق، أفقدت أوراقه التفاوضية مع دول الجوار، بسبب الحروب وبسبب ضعف البنية السياسية في بغداد. فلا يوجد اتفاق قطعي على حصة العراق من المياه ما يستغله سلطات انقرة في الاستحواذ على المزيد من الواردات المائية. ولجأ العراق في الفترة الاخيرة الى المطالبة بتدخل المجتمع الدولي الان كثيرين يرون أن القانون الدولي لا يطّبق إلا على الضعيف وان مناداة العراق بحقوقه لن يجد اذاناً صاغية، مايستدعي حلولاً غير تقليدية بحسب رئيس منظمة طبيعة العراق.

عزام علوش، كتأجير السدود والخزانات التركية، لخزن المياه العراقيه من أجل انهاء خسارة اكثر من ١٠ مليار متر مكعب سنويا من خلال التبخر و التسرب الذي يحصل حاليا في الخزانات العراقيه التي انشأت في القرن الماضي لدرء خطر الفيضان أمثال (الثرثار و الحبانيه و الرزازه بشكل رئيسي و بعدها سد الموصل و سد حديثه و دوكان و دربندخان). ويقترح علوش، دفع ثمن إيجار السدود و الخزانات التركيه من خلال اسعار تفضيليه للنفط و الغاز، وربط شبكة كهرباء العراق مع تركيا ودول الجوار، وصولاً الى الادارة المشتركه لحوضي دجله و الفرات، اضافة الى تدابير داخلية اخرى تكفل الحفاظ على ما تبقى من المياه.

معرض الصور

طباعة طباعة