داعش يكثف نشاطاته في مناطق النزاع بأطراف كركوك.. الاسباب والمعالجات

داعش يكثف نشاطاته في مناطق النزاع بأطراف كركوك.. الاسباب والمعالجات

4 يوليو، 2018 at 10:25 ص

داقوق، 29 تموز 2017، احدى القرى التي هاجمها مسلحي داعش، تصوير كركوك ناو

ياسين طه

قبل أربع سنوات وفي آخر أيام حزيران، خرج أبو محمد العدناني الناطق باسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام“، ببيان أعلن فيه تغيير إسم سلطة التنظيم إلى “الدولة الإسلامية“، وإقامة “الخلافة الإسلامية” بزعامة أبو بكر البغدادي “خليفة وإماما للمسلمين“، لكن تلك ”الخلافة“ المفترضة التي امتلكت الأرض والرعايا والموارد لحظة انطلاقها، تقلصت هذا العام إلى جيوب محاصرة في العراق وسوريا، في ظل استقتتال داعش من أجل الانبعاث من جديد، لكن هذه المرة عبر مناطق النزاع بين بغداد وأربيل وفي مقدمتها أطراف كركوك، تعويضاً عن الخسائر الكبيرة التي منيت بها، تمثلت بفقدان 35 ولاية على أرض البلدين الجارين بشكل عملي، ودحر التنظيم الذي كان يحقق الانجازات تلو الأخرى مفتخراً بأنه ”باقٍ ويتمدد“.

عودة ظهور داعش والجماعات القريبة من منظومة تفكيره، أمثال “رايات البيض” عبر عمليات قطع الطريق، والاختطاف، والمفخخات، في أطراف كركوك التي تعاني من غياب التنسيق الأمني بين إقليم كوردستان وبغداد، منذ الانسحاب المثير للجدل لقوات البيشمركة فيها فجر الـ16 من اكتوبر 2017، كانت مفاجأة للكثير من القادة والمحللين الأمنيين، حيث أشارت التوقعات والتكهنات أن تكون بادية الأنبار والمناطق الغربية من العراق منطلقاً جديداً بداعش، لهشاشتها الأمنية، وتركيبتها الاجتماعية، ومحاذاتها لمدينة البوكمال، والمناطق الشرقية السورية التي تتمسك بها داعش بقوة وشراسة، باعتبارها آخر المساحات المتبقية من أرض الخلافة والتمكين.

محللون أمنيون وبعد تنامي الخروقات الأمنية في أطراف الحويجة وغرب كركوك، واجبار قرى كاكائية على الإخلاء تحت التهديد، ذكروا أن المحافظة مرشحة لتتحول إلى عاصمة جديدة لداعش، بعد انهياره في عاصمته العراقية الموصل، لان المعطيات تفيد ببراعة التنظيم بارع في استغلال الأزمات، وتعاني هذه المنطقة المتنازع عليها دستورياً وقومياً، تجاذبات حادة، ومناكفات سياسية وأمنية بين مكوناتها المتشرذمة. فيما ذكر آخرون أن داعش يستخدم المنطقة من اجل محاولة اختراق طوق سامراء الأمني الذي منعه من الوصول لأسوار العاصمة بغداد في أوج الإنهيار الأمني العراقي وتمدد التنظيم الصاروخي، اضافة إلى تجربة قدراته في امكانية الوصول الى المراقد الشيعية المقدسة عبر غرب كركوك، لاحداث فتن طائفية، بعد فشل محاولاتهم المتكررة للتسلل عبر محافظة صلاح الدين المحررة من سطوتهم عام 2015.

كركوك، 16-10-2017، لحظة دخول القوات العراقية الى كركوك بعد انسحاب قوات التابعة لحكومة اقليم كوردستان من المدينة تصوير: وكالة ميتروغرافي

المعلومات الاستخباراتية، تشير الى وجود ما يقارب ٧٠٠ مقاتل في محافظتي نينوى وصلاح الدين

من جانبه ذكر المحافظ السابق لنينوى، أثيل النجيفي، أن المعلومات الاستخباراتية، تشير الى وجود ما يقارب ٧٠٠ مقاتل من داعش مستنفرين للقتال داخل الاراضي العراقية في محافظتي نينوى وصلاح الدين فقط، ويعيشون بصورة مستقرة في “مضافات”، موزعة داخل حدود هاتين المحافظتين المحاذيتين لكركوك، ويقومون بأنشطة عسكرية بالتواصل مع قواتهم من داخل سوريا، بالاضافة الى عدد من الخلايا النائمة داخل المدن العراقية.

النجيفي الذي كان على رأس الحكومة المحلية لحظة اقتحام داعش لنينوى واتُهم برلمانياً بتحمل جزء من مسؤولية سقوط المدينة، أكد على أن التنظيم بانتظار تنامي الصراعات، لاستغلالها من أجل العودة بعد أن مني بهزيمة عسكرية كبيرة. وبحسب تحليل النجيفي والكثير من المحللين الأميين والخبراء في شؤون الجماعات الإسلامية، فإن مناطق النزاع، تشكل حافزا ومحفزا لداعش لاتخاذها منطلقا جديداً بعد تراجع التوتر الطائفي إلى حدما في حواضن المدن والمحافظات العراقية لعدة أسباب أهمها توحد العراقيين حول مشروع محاربة داعش جراء ما ذاقوه من الويلات في ظل ظهوره من القتل والتدمير.

الخبير بشؤون الجماعات الجهادية، هشام الهاشمي، أوضح في معرض تعليقه على عودة نشاطات داعش في مناطق صلاح الدين ونينوى والأنبار وشمال ديالى وجنوب كركوك، أن هذه المناطق تنتمي إلى مكون العرب السنة، ويشاركهم معظم المكونات والأقليات الدينية والقومية العراقيّة من الكورد والتركمان، والايزيديين والشبك، والكاكائية. المناطق الحضرية في هذه المناطق تنتمي إلى المجتمع المنفتح، وغالبيتهم من الطبقة الوسطى المكونة من التجار وأصحاب الحرف والصناعات والمهن، لكن القرى والأرياف فيها تنتمي الى المجتمعات المتدينة والمحافظة العشائرية، حيث المجتمع الزراعي ونمط الاقتصاد التقليدي المبني على الزراعة، وطرق الحياة فيها، بطيئة التكييف والتغيير، ما أنتج تمرداً دينياً سنياً متطرفاً، يسعى لإحياء “الخلافة” بحسب تأويل وتحريف المتشددين، الذي يستلهم تجارب الجماعات الجهادية المتطرفة التي انتشرت في المنطقة منذ 2003، والمنتشرة في أماكن أخرى من العالم الإسلامي، بحسب اعتقاد الهاشمي الذي ألف كتاب “داعش.. رؤية من الداخل”.

وفي أكثر الفترات حساسية بالنسبة لرئيس الوزراء، حيدر العبادي وحينما كان ولايته تشارف على الانتهاء، أحرج تنظيم داعش الرجل الذي خاض الانتخابات الأخيرة باسم “النصر” عبر خطف وقتل ستة اشخاص على طريق كركوك ـ بغداد في تحدٍ أمني واضح ذات دلالة سياسية، اعقبه تفجير وسط كركوك حمل بصمات التنظيم.

حمرين، حزيران 2018، حملات دهم وتفتيش للقوات العراقية لملاحقة المسلحين تصوير: وزارة الدفاع العراقية

وشكلت تلك العمليات بالمجمل تهديدا وحرجاً بالغاً، لمنجزات العبادي العسكرية ضد داعش، ما دفعه إلى إطلاق دعوات لعدم التهويل بشأن نشاطات داعش، متهماً خصومه بـ “المرجفين”، قبل أن يقدم وزارة العدل في حكومته على إعدام 12 مداناً بالإرهاب، والتنسيق مع التحالف الدولي لضرب مواقع مفترضة لداعش في تلال حمرين، رداً على قتل المخطوفين، وفي محاكاة للتجربة المصرية في ملاحقة التنظيمات العسكرية التي تتلخص في إعدام مجموعة من المدانين في السجون، مقابل كل عسكري أو مدني يُقتل أو يختطف من قبل مفارز داعش المنتشرة في سيناء، وارسال طائرات وقصف مواقع للتنظيم خارج وداخل الحدود، كما حدث بعد الهجوم على حافلة للأقباط في حزيران العام الماضي، الا أن شكوكاً تدور حول فاعلية هذه الأساليب في القضاء النهائي على جيوب داعش في “مثلثات الموت” التي بدأت بالتكاثر في صلاح الدين وكركوك وبيجي واطراف حمرين، من دون، مساعدة القرى والأهالي ودون ضبط التنسيق الأمني بين مكونات هذه المناطق، خاصة مع اقليم كوردستان الذي يحيط بكركوك من عدة اتجاهات ويمتلك نفوذاً على الغالبية الكوردية المنتشرة في كثير من مناطق المحافظة، وسط تذمر واستياء من ابنائها من ابعاد التشكيلات الكوردية بعد انسحابها في الـ 16 من اكتوبر 2017، في مهام لحفظ الأمن أو المساهمة فيه بكركوك، بعد ثلاث سنوات من حفظ الأمن فيها ومسكها من قبل البيشمركة حينما كانت القوات العراقية منشغلة بمواجهة داعش.

وبما أن الملف الأمني يكاد أن يكون المنجز الوحيد لرئيس الوزراء، خلال فترة حكمه بسبب الحرب، وانهيار أسعار النفط، فلا يمكن استبعاد تزايد القلاقل الأمنية خلال هذه الفترة التي يسعى هو فيها لنيل ولاية ثانية، عبر استثمار، منجز النصر، سواء من قبل داعش أو التساهل في حفظ الأمن ومسك الأرض الأمن من قبل خصومه بسبب التنافس السياسي، بعد تعثره ملفات مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، على نحو كشفت مرجعية النجف عبر خطبة الجمعة عن وصولها الى اليأس من اصلاح الأمور، بسبب عدم وجود ”آذان صاغية“ يحاول البعض استثمار تلك الإشارة كدعوة مبطنة للاطاحة بالعبادي وعدم منحه ولاية جديدة.

معرض الصور

طباعة طباعة