العراق: الانتقال

بغداد تغلي وأربيل صامتة

  • 2020-05-02
بغداد تغلي وأربيل صامتة
السليمانية/ 2015/ مظاهرات ضد تفشي البطالة وتأخير دفع رواتب الموظفين وقلة الخدمات تصوير: زمناكو اسماعيل
آرا ابراهيم

تظاهرات وسط وجنوب العراق أحدثت ظروفاً جديدة وانتقالية في البلاد، لكنها لم تنتقل الى اقليم كوردستان، وتبقى احتمالية دعمها أو تجاهلها مفتوحة.

المحللون للأوضاع في العراق واقليم كوردستان يحددون عدة عوامل أثرت على عدم انتقال تظاهرات بغداد ومحافظات العراق الأخرى الى الاقليم، على رأسها التعامل الصارم من قبل الأجهزة الأمنية، المعوقات القانونية لتنظيم التظاهرات واستخدام التخويف والترهيب والقتل في التظاهرات السابقة.

اضافة لذلك، عدم وجود معارضة قوية تقود التظاهرات ووجود سلطة مركزية "أكثر صرامة" في الاقليم تشكل أسباباً أخرى وراء ذلك، كما يقول المحللون. رغم ذلك، هناك البعض ممن يعتقد بأن اندلاع التظاهرات أمر "مرهون بالوقت."

ويأتي هذا في حين أنّ نفس الأسباب التي أدت الى اندلاع التظاهرات في بغداد والمحافظات العراقية الأخرى حاضرة في اقليم كوردستان وربما بنسبة أكبر في بعض الأوجه، منها تأخير دفع رواتب الموظفين، حيث لم توزع لحد الآن أية رواتب للعام 2020.

درجة استياء المواطنين في اقليم كوردستان هي أكبر مما هي في بغداد

 يقول شورش حسن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة السليمانية "باعتقادي درجة استياء المواطنين في اقليم كوردستان هي أكبر مما هي في بغداد، حياة الناس تعتمد على الرواتب، لكن حكومة الاقليم تؤخر توزيعها وفي كل سنة تستولي على رواتب ثلاثة الى أربعة اشهر"، ويضيف شورش قائلاً "هذه المعطيات تدل على أن الوضع مؤاتي لإقامة التظاهرات، الا أن الافتقار للتنظيم ووجود من يقود هذه التظاهرات ويكون محل ثقة الناس يعتبر من الأسباب الرئيسية لعدم انتقال التظاهرات من بغداد الى الاقليم."

لا تزال التظاهرات التي بدأت في بغداد والمحافظات الأخرى في تشرين الأول 2019 مستمرة، في البداية كانت للاحتجاج ضد قلة الخدمات، البطالة والفساد، لكنها امتدت لتشمل المطالبة بحَلّ الحكومة، تغيير نظام الحكم واجراء انتخابات مبكرة، وقد وصل عدد الذين قتلوا في هذه التظاهرات الى 600 شخص.

baxda-1

بغداد/ 2020/ مشاركة عدد من الناشطات في تظاهرات ساحة التحرير   تصوير: كركوك ناو

نياز عبدالله، ناشطة مدنية في أربيل تقول بأن السبب الرئيسي وراء عدم انتقال التظاهرات الى اقليم كوردستان يتعلق ب"القمع واتخاذ الاجراءات التعسفية" من قبل الأجهزة الأمنية في الاقليم.

وقالت نياز في حديثها لـ(كركوك ناو) "الكابينة الوزارية التاسعة لحكومة اقليم كوردستان تتعامل بحساسية كبيرة مع الأصوات المحتجة واجراءاتها أكثر صرامة.... فهي تقمع كل اولئك الذين يحاولون أو يطالبون بتنظيم المظاهرات."

ربما يعتبر اعتقال الصحفي هيمن مامند ثلاث مرات خلال فترة وجيزة من قبل الأجهزة الأمنية في أربيل أوضح مثال على ما تقوله.

وكان هيمن مامند قد دعى أواخر شهر آذار الماضي المعلمين والموظفين للنزول الى الشوارع للاحتجاج على تأخير دفع رواتبهم، في الوقت الذي كانت حكومة الاقليم قد فرضت حظر التجوال ضمن الاجراءات الوقائية للحد من انتشار فيروس كورونا.

على اِثر ذلك، تم اعتقال هيمن مامند بطلب من الادعاء العام.

أُطلق سراح هيمن في السادس والعشرين من نيسان ولكنه أُعتُقِلَ مرة أخرى بناءاً على شكوى من رئاسة الحكومة وحُبِس لمدة 24 ساعة.

تعتقد الناشطة نياز عبدالله بأن تأخير دفع الرواتب لخمسين أوستين يوماً وقلة الخدمات محل استياء كبير لدى الناس ولكن "الناس والناشطون المدنيون يتعرضون للتهديد، وهو ما يحول دون تنظيم التظاهرات."

يوافق شورش حسن ما ذهبت اليه نياز ويقول بأن السلطة في الاقليم أكثر مركزية وتتعامل بحزم أكثر مع الأصوات المحتجة، وهوما مَكَّنَها من المسك بزمام الأمور.

السلطة في الاقليم أكثر مركزية وتتعامل بحزم أكثر مع الأصوات المحتجة

شهد اقليم كوردستان في عامي 2011 و2015 موجتين واسعتين للتظاهرات ضد الحكومة والأحزاب الحاكمة، ولكن تم قمعها باستخدام القوة من قبل الحزبين الحاكمين المتمثلين بالحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني.

الدكتور واثق الهاشمي، رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية والخبير في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية (والذي وافته المنية في 28 نيسان بعد يومين من اعطائه هذا التصريح لكركوك ناو) قال بأن وجود "سلطة بوليسية ومركزية في اقليم كوردستان" تؤثر على عدم تنظيم تظاهرات في الاقليم، ذاكراً تظاهرات 17 شباط 2011 كمثال على ذلك.

خلال تظاهرات 2011 التي استمرت لشهرين، قُتِلَ 10 أشخاص برصاص القوات الأمنية فيما جُرِحَ أكثر من 200 آخرين.

رغم أن تلك التظاهرات مهدت لاصدار حزمة قرارات حكومية وبرلمانية والتي استجابت الى حد ما لمطالب المتظاهرين، غير أن هذه القرارات لم تُنَفَّذ.

zmnako (4)

السليمانية/ 2015/ مظاهرات ضد تفشي البطالة وتأخير دفع رواتب الموظفين وقلة الخدمات     تصوير: زمناكواسماعيل

هل القانون يعيق أم يُسَهل لتنظيم التظاهرات؟

برلمان اقليم كوردستان يعتبر التظاهر حقاً دستورياً وقانونياً، الا أن النشطاء ينظرون الى اجراءاتها على أنها عبارة عن مجموعة قيود وعوائق.

على سبيل المثال، لا يُسمَح بتنظيم أي تظاهرة ما لم يتم استحصال موافقة مسبق بكتاب رسمي يشار فيه الى أسماء وعناوين وتواقيع منظمي التظاهرة، وبيان الغاية منها وتحديد مسارها والزمان والمكان المحددين لها، على أن يُقدَّم الطلب قبل 48 ساعة من موعد تنظيمها.

كما تنص اجراءات على أن للوزير أو رئيس الوحدة الادارية صلاحية رفض تنظيم التظاهرة اذا ما تحقق بأنها سوف "تُخِل بالنظام العام والآداب العامة."

كما تنص المادة التاسعة من قانون تنظيم المظاهرات في اقليم كوردستان على أنه "اذا وقع أثناء المظاهرة اخلال بالأمن أو النظام العام أو الآداب العامة أو حصل اضرار بالغير أو الأموال العامة أو الخاصة أو خرجت المظاهرة عن اهدافها وغاياتها المحددة، يتحمل المتسببون مسؤولية تعويض الأضرار الناجمة عن ذلك وتتخذ الاجراءات القانونية بحقهم وفق القوانين النافذة."

في العراق لا يوجد قانون خاص بالمظاهرات، لذا يتم الاعتماد على مجموعة من الاجراءات والتعليمات لاستحصال الموافقة.

وفقاً للتعليمات الخاصة بتنظيم المظاهرات في العراق، يجب أن يتضمن الطلب أسماء المنظمين وأن يتم ابلاغ جهة حكومية عن مكان وزمان المظاهرة قبل اجرائها ب24 ساعة.

وتنص المادة 38 من الدستور العراقي على أن الدولة تكفل "حرية الاجتماع والتظاهر السلمي بما لا يخل بالنظام العام والآداب العامة."

في عام 2014 تمت مناقشة مشروع قانون خاص تحت اسم "حرية التعبير والتظاهر السلمي" في البرلمان العراقي، ولم تتم المصادقة عليه لحد الآن.

baxda1-2

بغداد/ 2020/ متظاهرون في ساحة التحرير    تصوير: كركوك ناو

بموجب المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان " لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود."

ويأتي هذا في حين أظهرت احدى متابعات (كركوك ناو) رفض العشرات من طلبات الموافقة لتنظيم المظاهرات في اقليم كوردستان.

في شهر شباط الماضي، لم توافق ادارات محافظتي أربيل ودهوك على طلب من حركة الجيل الجديد لتنظيم تظاهرات، بحجة أن الأوضاع لم تكن ملائمة.

مطالبات حركة الجيل الجديد لتنظيم تظاهرة ضد قلة الخدمات، تفشي البطالة وتأخير دفع رواتب الموظفين تزامنت مع توسع تأثير التظاهرات في بغداد والمحافظات الأخرى، والتي أجت الى استقالة عاجل عبد المهدي من منصب رئاسة الوزراء، حلّ مفوضية الانتخابات بالاضافة الى صدور عدة قرارات برلمانية تهدف الى اجراء الاصلاحات وتوفير فرص العمل.

كاوة عبد القادر، نائب رئيس قائمة حركة الجيل الجديد في برلمان اقليم كوردستان قال لـ(كركوك ناو) "قدمنا طلبا للموافقة على تنظيم مظاهرة، لكنهم في أربيل ودهوك رفضوا طلبنا بحجة عدم ملائمة الظروف، حتى أنهم نشروا قوات أمنية كبيرة في الأماكن التي حددناها لتنظيم المظاهرة."

ويأتي منع التظاهرات في اقليم كوردستان في حين عبّر نيجيرفان بارزاني، رئيس اقليم كوردستان ورئاسة حكومة الاقليم دعمهم للتظاهرات في بغداد في أكثر من مناسبة.

رغم أن السلطات في محافظة السليمانية منحت الموافقة على اجراء التظاهرة، غير أنها استمرت ليوم واحد فقط بحضور عدد قليل من المتظاهرين.

سبب قلة المشاركين في المظاهرة الى فقدان الناس ثقتهم بالمعارضة وقدرتها على قيادتهم

وأرجأت نياز عبد الله سبب قلة المشاركين في المظاهرة الى فقدان الناس ثقتهم بالمعارضة وقدرتها على قيادتهم.

وأضافت قائلةً "هناك تَخَوُّف من أن تقوم المعارضة بخلط مطالبها بمطالب الشارع، كما حدث في التظاهرات السابقة والذي أدى الى يأس الناس من جدوى المظاهرات."

بغداد وأربيل

لا تنسيق حول التظاهرات

رغم كل هذه العوامل، لا يوجد تنسيق بين المتظاهرين في بغداد وأصوات الاحتجاج في اقليم كوردستان لكي ينظموا مظاهرات تشمل كافة أرجاء العراق.

في هذا الشأن قال علي مقدام، أحد منظمي التظاهرات في بغداد لـ(كركوك ناو) "لم توجد اية محاولات لنقل المظاهرات الى الاقليم، لكن كان هناك دعم معنوي ولوجستي لمتظاهري بغداد والجنوب في اقليم كوردستان، وقد استقبلوا بعض المصابين لغرض معالجتهم."

ويعتقد علي مقدام، الذي يقول بأنه غادر بغداد بسبب تهديدات تلقاها من جماعة مجهولة بأن "الأوضاع المعيشية والخدمية في اقليم كوردستان أفضل من مثيلتها في المناطق الأخرى من العراق، لذا لم تنتتقل اليها التظاهرات."

في الأسابيع الماضية ارتفعت أصوات الاحتجاج ودعوات لتنظيم المظاهرات في الاقليم ضد تأخير الرواتب الا أنه ليس من الواضح فيما ان كانت شرارة مظاهرات بغداد ستصل الاقليم أم لا.

baxda2

بغداد/ 2020/ شاب يستخدم علبة مشروب غازي كقناع لحماية نفسه من تأثير الغاز المسيل للدموع  الذي كانت القوات الأمنية تستخدمه لتفريق المتظاهرين   تصوير: كركوك ناو

وقال كاوة عبد القادر "أعداد الذين قاطعوا الانتخابات السابقة ليست بقليلة،.... ما يحدث الآن هو وضع اضطراري بانتظار فرصة."

أغلب الذين تحدثوا الى (كركوك ناو) يرون بأن اندلاع تظاهرات واسعة في الاقليم أمر مرهون بالوقت.

تقول نياز عبدالله بأن هناك معارضة فردية واصوات محتجة، ويجب أن تُقَرَّبَ هذه الأصوات من بعضها لكي يكون لها تأثير اكبر.

تفسير البعض لتظاهرات بغداد على أنها "متعلقة بالبيت الشيعي" ربما يكون احد الأسباب الأخرى وراء عدم انتقال شرارة التظاهرات الى الاقليم.

من جانبه قال واثق الهاشمي "هذا الرأي موجود حتى في المحافظات السنية ويعتقدون بأن ما يحدث في ساحة التحرير هو تَقاتُل الجهات الشيعية في الشارع، لكن هذا الرأي لا أساس له لأن الجهات الشيعية نفسها تعادي التظاهرات."

فرمان صادق، شارك في اعداد هذا التقرير

أخبار ذات صلة

أكثر

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT