العراق: الانتقال

السليمانية: نرمين عثمان: نجاح المرأة نجاح لي

  • 2020-02-28
السليمانية: نرمين عثمان: نجاح المرأة نجاح لي
نرمين عثمان
بلين عزت ميكه

تقول نرمين عثمان حينما التحقت بصفوف البيشمركة بأنها سمعت امرأة قروية تقول "هؤلاء هاربات من أُسَرِهِنَّ"، هذه العبارة دليل على أنه ليس من السهل للمرأة في المجتمع الكوردي أن تنخرط في العمل السياسي، ولكن نرمين عثمان لم تتراجع حتى تسنمت أعلى المناصب الحكومية وأصبحت واحدة من النساء القلائل اللاتي وصلن الى مجلس الوزراء في حكومة الاقليم والحكومة العراقية.

المرأة مهمشة في المجال السياسي في اقليم كوردستان والعراق بصورة عامة، خلال نصف قرن مضى، غالبا ما ورد اسم امرأة بين اصحاب المناصب العليا وضالعة في العمل السياسي والتنظيمي والكتابة، هذه المرأة هي نرمين عثمان، العضو السابقة في المجلس القيادي لحزب الاتحاد الوطني الكوردستاني والتي تبوأت فيما مضى وزارات في كل من حكومة اقليم كوردستان والحكومة العراقية.

خَطَت نرمين عثمان أولى خطواتها في العمل التنظيمي وهي في ريعان شبابها، في عام 1964 أصبحت عضوة في اتحاد طلبة كوردستان، تقول نرمين "حينما التحقت بالجامعة وبدأت العمل التنظيمي كانت هناك فقط ست فتيات ممن أكملن الاعدادية والتحقن بالجامعة" وهي بذلك تلمح الى طبيعة المجتمع في ذلك الوقت حيث لم تكن معظم العائلات تسمح للفتيات باكمال دراستهن.

ارتقت نرمين عثمان في مجال العمل التنظيمي، وفي سن العشرين تبوأت رئاسة اتحاد نساء كوردستان، تقول نرمين بأن والدتها شجعتها بقوة لكي تخطوتلك الخطوة الكبيرة. حتى هذا اليوم تمتنع عن وضع الأساور والاكسسوارات الأخرى في يديها وعن سبب ذلك تقول "كنت شابة صغيرة حين طلَبت مني أمي بأن لا أرتدي الأساور لأنها اعتبرتها قيودا"، ويبدو أنها لم تَنسَ تلك النصيحة لهذا اليوم.

73399866-10157721359473844-6961578122034544640-n

نرمين عثمان تشارك في اجتماع لحزبها قُبَيل انعقاد المؤتمر الرابع، تصوير: اعلام الاتحاد الوطني الكوردستاني

أُعجِبَت نرمين عثمان بالفكر اليساري فانضمت الى عُصبة كادحي كوردستان واضطرت الى أن تغادر مدينتها وتتجه صوب الجبال لتلتحق بصفوف البيشمركة، في ذلك الوقت سبقتها امرأة وحيدة وهي هيرو ابراهيم احمد.

المصاعب التي كانت تواجه النساء في الجبل لم تكن قليلة، تقول نرمين عثمان "في بداية وصولنا الى الجبل زرت نوشيروان مصطفى والذي كان سكرتيرا لعصبة كادحي كوردستان، كنت أتوقع منه ان يشجعني وأن يكون سعيدا لرؤيته امرأة تختار النضال في صفوف البيشمركة، ولكن حدث العكس، قال لي انت ابنة شيوخ اذهبي لاستقبال ضيوفكم في ديوان ضيافتكم، من أخبرك أن تصبحي بيشمركة"، رغم أن نوشيروان وضح لنرمين فيما بعد الأسباب التي دفعته لقول ذلك ولكن كان يبدو من محياها أن تأثير تلك الكلمات لا يزال عالقاً في ذهنها. تقول نرمين "النساء اللاتي أصبحن بيشمركة من بعدي تعرّضنَ لمواقف مماثلة، معظم الرجال كانوا يعتقدون أن المرأة لا يجب أن تنخرط في العمل السياسي."

معظم الرجال كانوا يعتقدون أن المرأة لا يجب أن تنخرط في العمل السياسي

في تلك الفترة لم يكن المجتمع يتقبل مشاركة النساء في العمل السياسي، بعض أهالي القرى كانوا ينظرون الى النساء اللاتي التحقن بصفوف البيشمركة وكأنهن ارتكبن اثما، تقول نرمين عثمان "سمعت بنفسي امرة تقول لصاحبتها، هؤلاء النسوة هاربات من أُسَرِهِنَّ."

ولكم العوائق والعقبات الاجتماعية لم تُثنِ نرمين عثمان عن العمل السياسي حتى أصبحت صاحبة شأن كبير في صفوف الحزب مما ساعدها للوصول لعدة مناصب حكومية مهمة ومؤثرة.

بعد الانتفاضة وتشكيل الحكومة الكوردية، كانت نرمين عثمان واحدة من النساء اللائي تسنمن مناصب حكومية، وبعد سقوط النظام العراقي تبوأت مناصب وزارية لأكثر من مرة في الحكومة الفدرالية.

لا تخفي نرمين بأنه حينما توَلًّت مهامها جنبا الى جنب مع عشرات الرجال في الكابينات الوزارية، تعرضت لضغوطات كثيرة وكانت بحاجة لبذل جهود جبارة حتى تتمكن من الدفاع عن حقوق النساء في حين كان للكثير من الرجال آراء مناقضة.

"في احدى جلسات مجلس الوزراء حينما كان نوري المالكي رئيسا للوزراء وقتها، قلت لا يجوز أن تحتاج المرأة الى موافقة أحد الذكور في أسرتها لكي تستطيع اصدار جواز سفر، بعض الوزراء من الرجال بدأوا بالضحك وكأنهم يستهزؤون بكلامي، ضربت طاولة الاجتماع بيدي بقوة وقلت من الآن فصاعدا اِن رأيت أحدا يبتسم حينما يتعلق الموضوع بحقوق المرأة فاِنني سأُقدِّم استقالتي وأُوضِّح للناس سبب استقالتي، منذ تلك اللحظة لم يكرر احد ذلك التصرف."

  حينما كانت نرمين عثمان تروي تلك الحادثة، كان بامكانك أن تحس بقوة وحزم كبيرين في قرارة نفسها، كان جليّا بأنها للآن مستعدة للدفاع عن حقوق المرأة بنفس ذلك العنفوان.

نرمين عثمان التي كانت وزيرة في كابينة الحكومة الانتقالية برئاسة اياد علاوي وفيما بعد في أول حكومة عراقية منتخبة بعد سقوط النظام، واجهت العديد من التحديات، هي لحد الآن تؤمن بأن المرأة يجب أن تمتلك روح التحدي وأن لا تلتفت للعقبات التي يخلقها المجتمع لها، تقول نرمين "كلما كَبُرت العقبات، كلما كان لزاما على المرأة أن تكون اقوى لكي تتغلب عليها."

كلما كَبُرت العقبات، كلما كان لزاما على المرأة أن تكون اقوى لكي تتغلب عليها

مساهمة نرمين عثمان ونساء أُخريات في العمل السياسي والاداري في حكومة اقليم كوردستان والحكومة العراقية كانت مساهمة جريئة، ومهدت الطريق للنساء اللواتي أعقبتهن في تسنم المناصب الحكومية.

وبهذا الخصوص تقول نرمين "أشعر بسعادة بالغة حينما ارى أن منصب رئاسة البرلمان في اقليم كوردستان تتولاها امرأة وأن النساء ارتقين مناصب عليا في صفوف الأحزاب، أعتبر هذا اِنجازا لي، ليس لدي أدنى شك بأنني رفقة نساء أخريات اِن لم نكن قد قدمن مثالا جيدا على امكانيات المرأة في بداية انخراطنا بالعمل السياسي، لم نكن سنشهد نساءاً يسلكن هذا الطريق، ولكننا نجحنا وحطمنا العديد من العوائق لتمهيد هذا الطريق للنساء."

رغم ذلك تعتقد نرمين بأن مساهمة المرأة في المجال السياسي لم تصل الى المستوى المأمول، هي تؤمن بوجوب مشاركة أكبر للنساء في عملية صنع القرار، ولكن مع هذا لا تخفي بأن افتقار المرأة لاقتصاد مستقل وقلة الفرص المتاحة أمامها للارتقاء اضافة الى القيود التي يفرضها المجتمع لا تزال تعيق خطواتها.

" بالاضافة الى ممارستي للعمل السياسي، كنت أمتهن الخياطة في البيت وأقدم دروس خصوصية للطلاب بمقابل مادي لكي أتمكن من تأمين لقمة العيش لأطفالي وأعطي المال لزوجي الذي كان مسجونا" قالت نرمين عثمان هذه الكلمات وهي تؤمن ايمانا كاملاً باِقتران الاستقلال في صنع القرار بالاستقلال الاقتصادي.

950x535_img-5500

نرمين عثمان تسلمت مناصب وزارية في الحكومة الانتقالية برئاسة اياد علاوي ومن ثَمَّ في أول حكومة عراقية منتخبة بعد سقوط نظام البعث في العراق    تصوير: بلين عزت ميكه

بحسب ما رَوَته نرمين، في الفترة التي بدَأَت فيه بممارسة العمل السياسي، كانت تحصل على دعم تام من أهلها، ولكن ما كان يُعيقها في حينها هو التصور السائد في المجتمع وعدو آخر كان يتمثل في نظام البعث.

أما الآن فهي تعتقد بأن هناك العشرات من العوائق، مثل النظام الاقتصادي، النظام الاجتماعي، الظروف المعيشية، توسع التكنلوجيا، اضافة الى عوامل أخرى تحول دون مشاركة فاعلة للمرأة في المجال السياسي.

"في هذا اليوم، لكي ترتقي في مجال السياسة يجب أن تمتلك جانبا ماديا قويا وأن تكون لديك قوة مسلحة، هذه هي طبيعة العمل السياسي هنا الآن، ومن الصعب للنساء الحصول على هذين المطلبين، لذا ليس بامكانهن تبوأ مناصب سياسية كبيرة ومؤثرة"، تقول نرمين عثمان متحسرة، وتؤكد "ولكن لا يجب أن نفقد الأمل بل يجب أن نضع أهداف كبيرة نُصب اعيننا و أن نخطو لتحقيقها."

تَذوَّقَت نرمين مرارة الفشل والهزيمة خلال ممارستها للعمل السياسي ولكنها انتفضت بقوة وعزيمة أكبر بعد كل هزيمة وكَبُرَ في نفسها روح التحدي، وكان آخر هزيمة ذاقتها حين فشلت في تأمين الأصوات المطلوبة لكي تصبح عضوة في المجلس القيادي للاتحاد الوطني الكوردستاني خلال المؤتمر الرابع الذي عقده الحزب. رغم ذلك تقول "عندما علِمتُ بالنتائج لم أستسلم، بدأت مباشرةً استعداداتي لتفعيل معهد نارين للأبحاث والنشر وبدأ النشاطات الأكاديمية."

بعد أكثر من نصف قرن من النضال السياسي والتنظيمي، تخاطب نرمين اليوم النساء، تريد أن تقول لهن كونوا أقوياء وتخطوا الحواجز وحققوا أهدافكن.

كونوا أقوياء وتخطوا الحواجز وحققوا أهدافكن

هي تدرك حقيقة أن المهمة الأولى على عاتق المرأة هي ادارة شؤون العائلة وتقول "اِن أرادت المرأة أن تثبت نجاحها فيجب أن تهتم أولاً بعائلتها، يجب ان تنجح في ذلك أولاً ثم تخطو خطواتها في المجالات الأخرى."

 نرمين عثمان تصوِّر العائلة كسفينة قبطانها المرأة، اِن غَرِقت السفينة فهي ايضا ستغرق، ولكن ان تَمكَّنَت من تسيير السفينة بسلام فاِنّها ستحقق نجاحات أكثر وتنجز أعمالاً أكبر.

تجاوز عُمر نرمين عثمان السبعين سنة، ولكنها اليوم تهتم لأمر الفتيات الشابات اللاتي يرغبن في الانخراط في السياسة وتقول لهن "كونوا أقوياء، خوضوا التحديات، ثابروا لتحقيق احلامكم، واذا واجهتم الفشل لا تستسلموا."

أخبار ذات صلة

أكثر

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT