العراق: الانتقال

بغداد: كيف هُمِّش النازحون في الانتخابات السابقة؟

  • 2020-02-29
بغداد: كيف هُمِّش النازحون في الانتخابات السابقة؟
كركوك/ 2018/ مخيم للنازحين الفارّين من قبضة تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) تصوير: كركوك ناو
كركوك ناو

بعد مرور أقل من عام وخمسة أشهر على الانتخابات البرلمانية التي جرت في 2018، نزل عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين الى الشوارع مطالبين بتغيير النظام السياسي وطريقة تسيير الانتخابات في البلاد، أحد تلك العوامل التي يمكن اعتبارها دليلا على انعدام العدالة في الانتخابات يتمثل في كيفية ادلاء مئات النازحين في داخل العراق لأصواتهم في تلك الانتخابات. 

افتقار هؤلاء الى بطاقات شخصية، عدم حصولهم على بطاقات الناخبين، بُعد مراكز المفوضية اضافةً الى ضغوط وامتيازات الأحزاب السياسية كانت من العوائق التي منعت عشرات الآلاف من النازحين من المشاركة في الانتخابات السابقة.

بحسب متابعات مراسلي (كركوك ناو)، في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 آيار 2018، من مجموع اكثر من 450 ألف نازح ممن كان يحق لهم التصويت لم يتمكن أكثر من نصفهم الادلاء بأصواتهم بسبب تلك الُمعَوِّقات، فيما أُبطِلَت أصوات معظم الذين شاركوا في العملية تحت ذرائع مختلفة.

"راجَعتُ المفوضية عدة مرات ولكن لم أجد اسمي في السجلات، لذا حُرِمتُ من التصويت"، تقول شيرين قاسم.

هذه المواطنة التي نزحت من سنجار منذ آب 2014، حاولت حتى آخر لحظة لكي لا تُحرم من حق التصويت ولكن دون جدوى، رغم انها كانت قد سجلت اسمها من قبل لتَسلُّم بطاقة الناخب.

وفقاً لأِحصائيات المفوضية العليا للانتخابات ومنظمات مراقبة الانتخابات والتي حصلت عليها (كركوك ناو)، عانى مئات الآلاف من الأشخاص من مشكلة عدم عودة اسمائهم، من ضمنهم النازحون، اِلاَ أنّ العدد الحقيقي لم يُعلَن من قِبَل تلك الجهات.

من مجموع أربعة آلاف و200 ناخب متواجدين في المخيم، عادت اسماء ألف و100 شخص فقط للتصويت في الانتخابات، فيما حُرِم الباقون من حق التصويت

 وقال شير وسمو، مدير مخيّم مام رشان في قضاء شيخان " من مجموع أربعة آلاف و200 ناخب متواجدين في المخيم، عادت اسماء ألف و100 شخص فقط للتصويت في الانتخابات، فيما حُرِم الباقون من حق التصويت"، مبينا أنه اضافة لعدم عودة الأسماء، فان مشاكل التنقل وبُعد بعض مراكز التصويت مثَّلَت معوقات أخرى.

وكانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات قد حددت عدة آليات وخطط لتصويت النازحين والذين يتواجد اغلبهم في محافظات نينوى، كركوك، صلاح الدين، الأنبار وديالى.

هذه الخطط تمثلت في استخدام البطاقات الانتخابية الإلكترونية البايومترية أو قصيرة الامد التي لا تحمل صورة، أو طريقة التصويت المشروط، وهذا النوع من التصويت يحتاج فيه الناخب الى جلب أحد المستمسكات الرسمية التي تثبت هويته.

awara-2-1

نينوى/ 2019/ فريق متنقل لمفوضية الانتخابات يؤدي اجراءات اصدار بطاقة بايومترية لعائلة نازحة   تصوير: اعلام المفوضية 

في فترة سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) فقد العديد من النازحين وثائقهم الرسمية وبالتالي لم تَسنح لهم الفرصة للاستفادة من أي من الخطط التي وضعتها المفوضية لضمان مشاركتهم في الانتخابات.

"بعد أن نجونا من قبضة داعش وبعد وصولنا الى كركوك من مدينة تكريت، أخذوا منا كل الوثائق التي كانت بحوزتنا، في حين كان أربعة من أفراد عائلتي يحق لهم التصويت، اِلا أن افتقادهم لوثائقهم حَرمَهُم من التصويت"، يقول زهير محمد.

زهير، الذي نزح في عام 2015، يقول بأن الكثير من المرشحين زاروهم في المخيم قبيل الانتخابات، وزعوا عليهم مواد غذائية، منحوهم واصطحبوا معهم كوبونات الحصة التموينية لبعض النازحين بحجة توفير تسهيلات لهم لاستصدار بطاقات الناخبين ولكن "لم نرَ بعدها المرشحين ولا بطاقات الناخب" وأضاف بأن المئات من النازحين الساكنين في هذا المخيم لاقوا نفس المصير.

حتى بداية العام 2019، لم يمتلك ما لا يقل عن 156 ألف شخص وثائق رسمية، وذلك وفقا لاحصائية أعلنتها منظمة مراقبة حقوق الانسان (Human Rights Watch) في حزيران 2019.

الأحصائيات التي نشرتها المنظمات التابعة للأمم المتحدة تؤيد حقيقة أن الآلاف من العوائل فقدوا وثائقهم الرسمية أثناء نزوحهم، ونتيجة لذلك حُرِموا من الكثير من الاجراءات القانونية، ولمعالجة هذه المشكلة فُتِحت في بعض المخيمات والمناطق التي تم استعادتها من تنظيم داعش أقسام خاصة باصدار البطاقات الشخصية للنازحين.

وتشير احصائية أدلَت بها المفوضية العليا للانتخابات ل(كركوك ناو) في 2018 بأن نحو ألفي عائلة نازحة في جبل سنجار فقدت وثائقها الرسمية.

فيما قال ماهر رشو، مدير مخيم ايسيان في قضاء زاخو بمحافظة دهوك "في المخيمات، من أصل خمسة آلاف شخص يحق لهم التصويت لم يكن نسبة 70% منهم يمتلكون بطاقة الناخب البايومترية.. اضافة الى وجود أخطاء في سجلات الناخبين وعدم عودة بعض الأسماء، ولم يكن لقسم من النازحين الوثائق الرسمية اللازمة، مثل بطاقة الأحوال المدينة، شهادة الجنسية العراقية وجواز السفر."

ويضيف ماهر "الانتخابات السابقة كانت الأسوأ بالنسبة للنازحين، شَهِدَت العملية ظلما كبيرا ولم تكن الاستعدادات كما يجب، لذا حُرِمَ أُناس كثيرون من حقهم في التصويت."

بحسب احصائيات مكاتب مفوضية الانتخابات في الأقضية والمحافظات والتي حصلت عليها (كركوك ناو)، فان نسبة مشاركة النازحين في الانتخابات لم تبلغ 40%.

لم يتسنّى لجميع نازحي خانقين المشاركة والادلاء بأصواتهم

ويقول حسن بير ولي، مسؤول اعلام مكتب مفوضية الانتخابات في ديالى "على مستوى المحافظة، تم فتح مركز تصويت للنازحين في خانقين فقط وذلك بيوم واحد قبل التصويت، لذا لم يتسنّى لجميع نازحي خانقين المشاركة والادلاء بأصواتهم."

في الانتخابات البرلمانية السابقة التي جرت في العراق كان عدد العوائل النازحة في ديالى 20 ألف عائلة، وكان معظمهم يحق لهم التصويت.

karti-dangdan

الفروقات الموجودة بين البطاقة البايومترية والبطاقة الالكترونية التي استخدمت في الانتخابات السابقة 

علي غازي، مدير دائرة الهجرة والمهجرين في خانقين قال "كانت توجد عراقيل ومعوّقات كثيرة، منها تخصيص مركز وحيد للاقتراع والذي شهد توقف أجهزته عن العمل لعدة ساعات ولم يتم معالجة تلك المشكلة، نتيجة لذلك لم يتمكن أغلب النازحين من المشاركة في التصويت."

وأشار المرصد العراقي لحقوق الانسان في تقرير أُصدِرَ في بداية شهر آيار 2018، بأن معظم ال 450 ألف نازح الذين كان يحق لهم حق التصويت في 131 مخيما، تعرضوا لضغوط من قبل بعض المرشحين لكي يمنحوهم اصواتهم، بالاضافة لذلك تم تعليق اصدار المئات من بطاقات الناخبين لكونهم منتمين لداعش أو قُتلوا في المعارك.

"مارَسَ عدة أشخاص من المشرفين على المخيم الضغوط علينا لكي نمنح أصواتنا لمرشح معين ولكننا رفضنا ذلك واضطررنا لعدم المشاركة في الانتخابات" هذا ما قاله سعيد الياس.

سعيد، وهو أحد نازحي سنجار ويعيش حاليا في دهوك أبدى امتعاضه من الضغوط التي مورِسَت اثناء الانتخابات، "العملية الانتخابية هي عملية ديمقراطية ولكنها تحولت عندنا الى دكتاتورية."

العملية الانتخابية هي عملية ديمقراطية ولكنها تحولت عندنا الى دكتاتورية

بموجب قانون انتخابات البرلمان، يحق لكل عراقي تتوافر فيه الشروط، المشاركة في الانتخابات وأن يدلي بصوته بصورة سرية ومباشرة، ولا يُسمح لأحد التصويت بدلا منه.

"رفضنا المشاركة لثلاثة أسباب، الأول هو بعد مركز الاقتراع، الثاني يتمثل في القيود التي وضعتها القوات الأمنية على حرية التنقل، والثالث مَرَدُّه الى حِدّة الصراعات التي وصلت حد النزاع القومي والعشائري، دون أن يهتم أحد لهموم الفقراء والمنكوبين" تقول حمدية الحمداني والذي امتنع ثمانية من أفراج عائلتها عن المشاركة في الانتخابات.

حمدية، التي رجعت الى قريتها في قضاء الدبس في كركوك تضيف قائلة "كنت سأحزن كثيرا الآن اذا كنت قد صوّتت لأولئك الأشخاص."

وكانت (كركوك ناو) قد أكدت حدوث عمليات بيع وشراء لبطاقات الناخبين قبيل الانتخابات خصوصا تلك العائدة للنازحين، وذلك في مقابل مادي وصل الى 100 دولار أوفي مقابل كمية من المواد الغذائية ومستلزمات أخرى.

img-6265

كركوك/ 2018/ عملية التصويت الالكتروني لبرلمان العراق   تصوير: كركوك ناو 

عمار صباح، مسؤول مكتب دائرة الهجرة والمهجرين في كركوك قال بخصوص معاملات بيع وشراء بطاقات الناخبين بين النازحين "نحن نعيش في العراق ونسمع الكثير مما يقال هنا وهناك... ولكن لم تُسَجَّل مثل تلك الحالة بصورة رسمية."

 وأضاف بأنه رغم التسهيلات التي وُفِّرَت لتَنَقُّل النازحين وضمان وصولهم الى مراكز التصويت اِلاّ أن نسبة المشاركة في العملية الانتخابية كانت قليلة."

في شهر آيار 2018، حَذّرَت المفوضية العليا للانتخابات في بيان من معاقبة الاشخاص المتورطين في المتاجرة ببطاقات الناخبين.

تلك الأصداء اضافة الى استخدام أكثر من نوع من بطاقات الناخب (بايومترية، قصيرة الأمد) أدى الى اِبطال عدد كبير من صناديق الاقتراع في عدة مراكز وبالأخص تلك التي خُصصت للنازحين.

قرابة 240 مركز اقتراع للنازحين في دهوك تم اِبطالها بالكامل

حمدي عبد الباقي، منسق شبكة شمس لمراقبة الانتخابات في دهوك أشار الى أن " قرابة 240 مركز اقتراع للنازحين في دهوك تم اِبطالها بالكامل"، معتبرا ابطال أصوات النازحين انتهاكا لحقوق الانسان وكان يجب على المفوضية أن تستعد بشكل افضل.

وكانت شبكة شمس قد أعَدَّت تقارير في معظم مناطق العراق حول الانتهاكات التي سجلتها في الانتخابات الأخيرة، من ضمنها عدم عودة أسماء بعض الناخبين، تدخل بعض العناصر الأمنية، تعَطُّل الاجهزة الألكترونية واسباب أخرى.

ريبوار هادي، رئيس اللجنة القانونية في البرلمان العراقي قال "السبب وراء اِبطال أصوات النازحين يرجع الى ادلاء بعضهم لأصواتهم لأكثر من مرة، فيما كانت أصوات بعضهم قد أُدليت من قبل أشخاص آخرين حسبما قالوا لنا، ولكن في القانون الجديد للانتخابات سيكون التصويت فقط بالبطاقة البايومترية، رغم ذلك فان عدم ضياع حق التصويت للنازحين يجب أن تضمنه المفوضية التي عليها أن تدقق وتتابع الأمر جيدا."

وأوضح النائب في البرلمان بأن باستطاعة النازحين بموجب القانون الجديد أن يدلوا بأصواتهم في المكان الذي يسكنون فيه دون الحاجة للعودة الى مناطقهم الأصلية.

في الانتخابات السابقة، لم يستطع بعض النازحين الوصول الى مراكز التصويت الوقعة خارج المخيم وذلك بسبب بعدها وبسبب عوائق أمنية حيث أن تَنَقُّلات النازحين كانت مقيدة وبحاجة الى استحصال موافقة الجهات الأمنية.

ويقول مسعود داراخان، مراقب وخبير في شؤون الانتخابات "في الانتخابات السابقة كان يجب على النازحين، مثال ذلك، نازحوا جلولاء أو السعدية التابعتين لقضاء خانقين العودة الى مناطقهم الأصلية للمشاركة في التصويت، وكان أغلبهم خائفين وامتنعوا عن الذهاب" مشيرا الى الخاطر المترتبة عن هجمات الجماعات المسلحة والتي لا تزال مستمرة في عدة مناطق في محافظة ديالى.

بحسب متابعات (كركوك ناو)، امتنع أو مُنِعَ بعض النازحين من المشاركة في الانتخابات بسبب تهديدات الجماعات المسلحة المدعومة من قبل الحكومة الفدرالية، غير أن (كركوك ناو) لم تتمكن من اثبات وجود تلك التهديدات المباشرة.

في بعض الأحيان شملت تللك العوائق الأمنية موظفي المفوضية أنفسهم، حيث أنه في تشرين الأول 2019، مُنِعَ  وفد من مفوضية الانتخابات من دخول مخيم للنازحين في كركوك، وكان الوفد بصدد عقد ندوة حول الانتخابات القادمة.

campkabartoo-1

دهوك/ 2019/ مخيم كبرتوو الذي يأوي نازحين من محافظة نينوى   تصوير: كركوك ناو 

فرمان فاتح، مسؤول مكتب شبكة شمس في كركوك أشار الى وجود عدة حوادث أمنية في يوم الاقتراع من ضمنها قصف احدى المراكز الانتخابية بصواريخ كاتيوشا، اضافة الى تعطل الاجهزة الالكترونية الخاصة بالتصويت وطرد بعض مراقبي الانتخابات من مراكز التصويت من قبل جماعات مسلحة ومشاكل أخرى، "وهذا أدّى الى انخفاض الاقبال على التصويت من قبل المواطنين."

بموجب القانون السابق لانتخابات برلمان العراق، فان الحكومة الفدرالية كانت ملزمة بتطبيق ثمانية نقاط لتنظيم العملية، منها اعادة النازحين الى مناطقهم الأصلية، ضمان مشاركة جميع المواطنين في الانتخابات وتوفير صناديق الاقتراع للنازحين في جميع المحافظات.

عدم اتخاذ أية اجراءات لضمان اعادة النازحين وعدم ضياع أصواتهم

وتشير العضوة في اللجنة القانونية للبرلمان العراقي بهار محمود الى عدم اتخاذ أية اجراءات لضمان اعادة النازحين وعدم ضياع أصواتهم، "حتى في القانون الجديد للانتخابات فان تنفيذ ذلك أمر صعب جداً" ملمحةً بذلك الى تقسيم القانون للدوائر الانتخابية على أساس دائرة انتخابية لكل قضاء بدل أن تكون على اساس المحافظة.

وبحسب أحدث احصائيات وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، لا يزال هناك 86 مخيما للنازحين والتي لم تُغلَق لحد الآن رغم زوال تنظيم داعش.

في غضون العام الماضي نزح قرابة تسعة آلاف شخص مرةً أخرى نحو المخيمات الواقعة في اقليم كوردستان وذلك لعدم مقدرتهم على العيش في مناطقهم الأصلية لأسباب مختلفة.

ويتواجد في اقليم كوردستان أكثر من 700 الف نازح لا يمتلك أغلبهم لحد الآن بطاقات الناخب البايومترية والذي يعتبر شرطاً أساسياً لضمان مشاركتهم في الانتخابات المقبلة، وذلك وفقا لأرقام مركز التنسيق المشترك للأزمات التابعة لحكومة اقليم كوردستان وكذلك المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

بعد مضي حوالي سنتين على آخر انتخابات برلمانية، يجد العراق نفسه أمام خيار اجراء انتخابات مبكرة وكذلك اجراء انتخابات مجالس المحافظات، ولكن الآلاف من النازحين لا يزالون يعانون من مشاكل عالقة.

أخبار ذات صلة

أكثر

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT