من البیئة

الأعشاب الربيعية تُقتل بصمت... التغير المناخي والعامل البشري يهددان استدامتها

  • 2026-05-17
الأعشاب الربيعية تُقتل بصمت... التغير المناخي والعامل البشري يهددان استدامتها
نبتات كعوب مقتلعة من جذورها.  تصوير: شفان عثمان
سجى إسماعيل

تتعرض الأعشاب الربيعية، وخاصة تلك الصالحة للأكل، لخطر الانقراض بسبب التعامل غير العلمي من قبل المواطنين علي نطاق واسع، ويتوقع بعض خبراء علم النبات أن تختفي بعض أنواع الأعشاب والنباتات الربيعية مثل الكنكر (الكعوب)، الكاردو والريباس في غضون الأعوام القليلة المقبلة.

وفقًا لمسح ميداني أجرته شرطة غابات وبيئة دهوك، تبين أن مساحة الأراضي التي تنبت فيها الأعشاب البرية والربيعية مثل الكعوب، الكاردو والريباس تراجعت بنسبة 80 بالمائة، واصفين التهديد بأنه "إبادة جماعية صامتة للبيئة".

التهديد ذو شقين، أحدهما طبيعي ويرتبط بتغير المناخ وانخفاض نسبة هطول الأمطار، والآخر، الذي يوصف بأنه أكثر خطورة، يرتبط مباشرة بالبشر والممارسات غير العلمية وفقًا للنتائج المتمخضة عن هذة المتابعة التي أجراها موقع (كركوك ناو).

بداية الشعور بالخطر

عدد من أهالي القرى في منطقتين مختلفتين من إقليم كوردستان (قضاء جومان بمحافظة أربيل وقضاء بنجوين بمحافظة السليمانية) بدأوا باعتماد تعليمات وقرارات جديدة للتعامل مع أولئك الذين يسيئون التعامل مع البيئة، بالأخص الأعشاب والنباتات الربيعية.

مضمون التعليمات يتعلق بوضع شروط وإرشادات جديدة للمواطنين عند توجههم إلى السهول والمناطق الجبلية لجني الأعشاب والنباتات الربيعية الصالحة للأكل، بخلاف ذلك يتم منعهم من جنيها نهائياً.

آواره محمد أمين، المختص في علم النبات وهو من أهالي قرية كورتي بقضاء جومان قال إن "أناساً كثيرين كانوا يقصدون قريتنا ويقتلعون الأعشاب الربيعية من جذورها، بالتالي لن تنمو هذه الأعشاب مجدداً"، وأشار إلى أنهم "كانوا أحياناً يدوسونها بمركباتهم ويلحقون بها الضرر".

وأوضح آواره بأنهم "كانوا يقتلعونها من جذورها قبل أن تنمو بذورها، وبذلك كانت الأعشاب تنقرض نهائياً".

Rewaz u kardu
شاب يبيع الريباس والكاردو في أحد اسواق اقليم كوردستان. تصوير: شفان عثمان

أهالي قرى كورتي، ناونده، دركلة وعدة قرى أخرى لاحضوا بأن كمية الأعشاب الربيعية كالكعوب، الريباس، الكاردو وغيرها كانت تقل عاماً بعد آخر، وكان ذلك بداية الشعور بخطر انقراضها.

على إثر ذلك قرروا اتخاذ إجراءات جدية لحماية هذه الثروة الطبيعية، من ضمنها "عدم السماح للناس بدخول الحقول والسهول والمناطق الجبلية بمركباتهم بغرض جمع الأعشاب البرية".

وقال آواره، 

ئاواره‌ وتی " منذ ثلاث سنوات ونحن نسمح للمواطنين بالمجيء إلى قريتنا بشكل محدود فقط، لحماية الأعشاب من الانقراض ".

ويقول الناشط البيئي، هوشمند فارس، إن أي عشبة أو نبتة برية لن تنمو مجدداً إذا اقتلعت من جذورها، "إلا إذا حملت الفيضانات وبعض أنواع الطيور والحيوانات البذور معها إلى المنطقة".

تتميز طبيعة إقليم كوردستان بتنوعها الكبير، حيث تضم عشرات الأنواع من النباتات الربيعية التي تستخدم في الصناعات الغذائية والطبية، وتنمو بشكل عام في الغابات والجبال والسهول والوديان، وتنمو في فصل الربيع.

في كل عام، في الفترة من بداية شهر آذار حتى أواخر شهر أيار، يقصد الناس هذه المناطق في مجاميع لجني الأعشاب الربيعية، وبعد تلك الفترة تنضج بذور النباتات وتسقط على الأرض.

يشعر بعض القرويين وخبراء النباتات والبيئة بالقلق من أن يتم اقتلاع الأعشاب الربيعية قبل أن تنمو بذورها، ويعتبرون ذلك أسوأ تعامل مع هذه الأعشاب.

الخبير في علوم الأحياء، جلال كريم، قال لـ(كركوك ناو) إن "الأعشاب والنباتات التي تستخدم لأغراض طبية أو كغذاء مثل الكعوب، الريباس، والجاتره معرضة لخطر الانقراض بسبب الجفاف والقطف غير العلمي من قبل المواطنين". لذا طالب وزارة الزراعة والبلدية بنشر إرشادات حول الطرق العلمية المثلى لجنيها وتحديد عقوبات للمخالفين.

الوعي العام ليس بالمستوى المطلوب

بصورة عامة هناك إلمام محدود بين المواطنين حول كيفية التعامل مع الأعشاب الربيعية، نظراً لقلة التعليمات ومحدودية وصولها إليهم.

ويرى هوشمند فارس بأن الحل الوحيد في هذه المرحلة هو نشر الوعي والمتابعة من قبل الجهات الحكومية، ويقترح أن تتولى هيئة حماية وتحسين البيئة في إقليم كوردستان هذه المهمة.

المتحدث باسم الهيئة، صنعان عبدالله، قال لـ(كركوك ناو)، "نحن نصدر التعليمات باستمرار، بما في ذلك عدم اقتلاع الأعشاب الربيعية من جذورها، يجب علينا التنسيق مع المواطنين وسكان القرى فيما يخص هذه المشكلة لحمايتها من الانقراض".

ويرى صنعان عبدالله بأن هذه الثروة المهمة التي تعتبر "جزءاً من النظام البيئي في إقليم كوردستان" تنحسر عاماً بعد آخر.

قلة كميات هذه الأنواع من الأعشاب في أسواق الجملة (العلوات) مقارنةً بالأعوام السابقة دليل على حجم الكارثة.

"قبل بضع سنوات، كانوا يجلبون عشرات الأنواع من الأعشاب والنباتات الربيعية بالشاحنات الكبيرة وكانت تملأ الأسواق، لكن الكمية انخفضت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة"، حسبما قال بائع في علوة دهوك عرّف نفسه بالعم أمير.

وشدد أمير على أن "اسعارها الآن ارتفعت بشكل كبير بسبب صعوبة الحصول عليها مقارنةً بالسنوات الماضية"، ويأتي ذلك رغم أن نسبة هطول الأمطار هذا العام كانت أعلى من الأعوام السابقة.

مبادرة لزراعة الأعشاب والنباتات الربيعية

من المعروف أن الأعشاب الربيعية تنمو بشكل طبيعي وتعتمد في نموها على مياه الأمطار، لكن بسبب خطر انقراضها، يلجأ بعض الناس إلى زراعتها والاعتناء بها مثل أي خضرة أو فاكهة.

رحمة عزيز (60 سنة)، من سكنة قضاء عقرة (آكري) بدهوك، هي من بين الذين لجأوا إلى زراعة هذه الأعشاب والنباتات الربيعية.

تقول رحمة إن "منطقتنا كانت غنية بالأعشاب والنباتات الربيعية، لكنها تختفي تدريجياً، نقوم الآن بالمحافظة على بذورها وزراعتها، لا نريد لهذا الإرث الأصيل أن ينقرض".

gzhugya
دهوك/ نيسان 2026/ مواطن يقوم بجني الأعشاب والنباتات الربيعية. تصوير: شفان عثمان

الحاج أحمد وزوجته فوزية لديهما خبرة في زراعة نبتة الكاردو والكعوب، حيث يبدآن بجنيها وبيعها خلال شهري آذار ونيسان.

يقول الحاج أحمد إن "الكاردو يستطيع أن ينمو في باستمرار لعشر سنوات متتالية شريطة ان لا تقتلع من جذورها وأن يُقطع جذعها فقط"، وأضاف، "نحتفظ سنوياً بقسم من الأعشاب الربيعية إلى أن تجف أوراقها وتنمو بذورها، لكي نزرعها مجدداً".

نبتة الكعوب تعد الأكثر شعبية ويمكن تناولها وعمل وجبات مختلفة منها. تنمو بذور الكعوب أواخر شهر أيار ما لم يتدخل العامل البشري.

ويعتقد المتحدث باسم هيئة حماية وتحسين البيئة في إقليم كوردستان أن أحد الحلول يتمثل بـ"تولي الجهات المعنية حفظ بذور هذهالأعشاب لكي تتم زراعتها في المستقبل عن طريق الطائرات المسيرة والتكنلوجيا الحديثة".

لا توجد قوانين خاصة بحماية الأعشاب الربيعية

لا يوجد في إقليم كوردستان قانون لمحاسبة أولئك الذين يلحقون الضرر بالنباتات والأعشاب الربيعية، وحتى الآن لم تلق هذه القضية ما تستحقه من إهتمام.

هذا الأمر دفع أهالي بعض قرى قضاء بنجوين لحماية الأعشاب البرية والربيعية في مناطقهم من أذى البشر بأنفسهم وذلك بمنع لأشخاص الذين لا يتمتعون بدراية كافية حول كيفية جنيها.

ويقول صنعان عبدالله إنه رغم عدم وجود قانون خاص يحاسب هؤلاء الأشخاص، لكن قانون تحسين وحماية البيئة قد تطرق إلى موضوع حماية المناطق الطبيعية، ويمكن اللجوء إليه لهذا الغرض.

ويؤكد هذا القانون على أن كل من يُلحق ضرراً بالبيئة يكون مسؤولاً ويجب عليه تعويض الضرر، أي أن يقوم بإزالة الضرر وإعادة البيئة إلى حالتها الأصلية. لكن يبقى غير واضح كيفية تطبيق هذه الفقرة على الأعشاب الربيعية ليس واضحاً.

وقد أدى ذلك إلى عدم أخذ شرطة الغابات، المسؤولة عن حماية الغابات الطبيعية، القضية على محمل الجد.

مسؤول شرطة غابات الشهيد محمد في خورمال، سيوان حمه صالح قال لـ(كركوك ناو) إنه "حتى الآن لم يُعتقل أي شخص بسبب اقتلاع الأعشاب الربيعية... نحن فقط نحذر الناس من ذلك".

أما مدير شرطة غابات السليمانية، هوشيار أحمد، فقال إن "غياب قوانين صارمة واتباع طرق غير علمية لجني الأعشاب قد تسبب في تعرض جزء كبير من الثروات الطبيعية في كوردستان لخطر الانقراض التام".

لكن المتحدث باسم هيئة حماية وتحسين البيئة اشار إلى أن الهيئة تناقش حالياً مع المحافظات والإدارات المستقلة مسألة غصدار تعليمات وقرارات جديدة لحماية الأعشاب والنباتات الربيعية.

المتحدث باسم شرطة غابات دهوك، هادي معروف، يصف ما يحدث بـ"إبادة جماعية صامتة للبيئة".

وقال هادي لـ(كركوك ناو)، "أجرينا متابعات ميدانية وتبين أن مساحة الأراضي التي تنمو فيها الأعشاب البرية كالكعوب، الكاردو والريباس تراجعت بنسبة 80 بالمائة وهذا التراجع قابل للزيادة".

وعزا هادي ذلك إلى ازدياد عدد السياح، وقلة الوعي بكيفية التعامل مع الأعشاب الربيعية، "يقوم الناس باقتلاع الأعشاب والنباتات من جذورها، وهذا هو الخطر الأكبر".

وتقول المختصة في علم النبات بكلية الزراعة في جامعة دهوك، جنار إبراهيم، إن "الأعشاب الربيعية تعد حلقة وصل أساسية في الحفاظ على التوازن في النظام البيئي لطبيعة كوردستان"، معظم هذه الأعشاب والنباتات تمتلك جذوراً عميقة وحين تُقتلع، يتلاشى الحمض النووي الذي صمد أمام تقلبات البيئة لآلاف السنين".

القطع بدل الاقتلاع

تقترح جنار إبراهيم تطبيق "قانون القطع بدل الاقتلاع" على النباتات والأعشاب الربيعية. وتوضح "يجب قطع النبات أو العشبة بسكين حاد، من الجزء الذي يقع اثنين إلى ثلاثة سنتيمترات فوق الجذور وفوق التربة. بعدها يجب وضع القليل من التربة على الجزء المقطوع لكي لا يفقد رطوبته ولا يتعرض للجفاف بفعل اشعة الشمس".

وتقول إنها قامت بمراقبة الأعشاب الربيعية وتبين أن بعضها على وشك الانقراض، على رأسها " الريباس، بسبب الطلب الكبير عليه تجارياً . هذا النبات يُقتلع بوحشية قبل مرحلة البذر... كما أن نباتات المندي والقوراد حساسة للغاية واقتلاعها من جذورها يؤدي إلى جفاف التربة المحيطة بها... أما نباتات الكاردو والكعوب والجيلاخا والبيجك واللوشه، فهي أيضاً تواجه خطراً كبيراً".

تقول جنار إن هناك قاعدة ذهبية في علم حماية النباتات، "من بين كل 10 جذور نباتية، يجب أن تترك ثلاثة جذور على الأقل دون أن تمسها. هذا لكي تنمو وتزهر وتنتشر بذورها عن طريق الرياح والحشرات".

وشددت جنار على أنه "إذا لم نلتزم بهذا القانون، فلن نرى هذه النباتات والأعشاب إلا في الكتب خلال السنوات القليلة المقبلة". 

أكثر

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT