أبو عبدالله متقاعد من سكنة مدينة الموصل، يقبض راتبه التقاعدي بالدينار. يرى أبو عبدالله نفسه الخاسر الأكبر بعد ارتفاع سعر الدولار، لأن معظم احتياجاته اليومية المستوردة بالعملات الأجنبية، ارتفعت أسعارها على حساب جيوب المواطنين.
"مع تغيير سعر العملة، ارتفع سعر كل شيء، ولم يعد بإمكان المواطنين شراء بعض الاحتياجات الأساسية، مثل الفواكه واللحوم والكثير غيرها"، هذا ما قاله أبو عبد الله، محتجاً على قرار تغيير سعر صرف الدينار مقابل الدولار.
مجلس الوزراء العراقي، بتوصية من البنك المركزي العراقي ووزارة المالية أصدر قراراً بتغيير سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار. القرار دخل حيز التنفيذ منذ يوم 7 تشرين الأول 2026، وارتفع موجبه سعر صرف الدولار من 1320 دينار إلى 1520 دينار للدولار الواحد، ما أدى إلى حالة من الارتباك والاضطراب في السوق.
الحكومة العراقية أعطت عدة مببرات لهذا التغيير، أهمها معالجة العجز الكبير في الموازنة، حيث فقد العراق معظم عائداته النفطية بسبب التوترات في مضيق هرمز نتيجة للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران ، والذي كان يمثل البوابة الرئيسية لصادرات العراق النفطية.
الدولار خلال ست سنوات
وفقًا لسعر الصرف الجديد، سيتم بيع 100 دولار أمريكي بسعر 152,000 دينار، بعد أن كان سعر الصرف الرسمي سابقًا 132,000 دينار.
فارق السعر الرسمي الذي يصدره البنك المركزي مع سعر الدولار في السوق يبلغ حوالي 20 ألف دينار. حين كان سعر 100 دولار 132 ألف دينار، كان يُتداول في السوق بسعر 150 ألف دينار، وبعد القرار الجديد، أصبح سعر الدولار غير مستقر وقد وصل في بعض الأماكن إلى 185 ألف دينار.
تقول الحكومة والبنك المركزي أن تغيير سعر الصرف يهدف إلى مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية والدولية والحفاظ على الاستقرار المالي والسيولة. ووفقًا لبيان صادر عن البنك المركزي، فإن هذا القرار "يخدم الاقتصاد الوطني والمواطنين بشكل مباشر من خلال دعم الإنتاج والصناعة المحليين".
البنك المركزي يرى أن القرار سيخلق منافسة بين المنتجات المحلية والمستوردة، ويشجع على توسيع القطاع الصناعي وفتح المصانع، ويوفر بيئة مواتية للاستثمار، بما يخدم توظيف الشباب وخفض نسبة البطالة.
هذه ليست المرة الأولى التي يتغير فيها سعر صرف الدينار مقابل الدولار. ففي عام 2020، ارتفع سعر الصرف من 120 ألف دينار إلى 147 ألف دينار لكل 100 دولار، وقد استمر الحال على ذلك لعامين. ولاحقاً، تغير سعر الصرف وتم تثبيت 100 دولار عند 132ى ألف دينار.في الموازنة العامة للسنوات الثلاث 2023 و2024 و2025.
الاحتجاجات تتعالى والسوق مضطرب
بالتزامن مع الإعلان عن قرار تغيير سعر الصرف، ساد الارتباك في السوق، وخاصة سوق العملة الذي شهد حالة من عدم الاستقرار. في الموصل، تجاوز سعر صرف الدولار حاجز الـ170 ألف دينار فيما وصل إلى أكثر من 185 ألف دينار في بعض المحافظات الأخرى.
وفقاً لمتابعات (كركوك ناو)، أثر هذا الارتباك على أسعار السلع والمستلزمات اليومية للمواطنين، أسعار المواد الغذاية والأجهزة الكهربائية ارتفعت، نظراً لأن معظمها تُستورد بالدولار.
وسط فوضى السوق خرج ابو عبدالله لشراء بعض المستلزمات اليومية، رفع بيده اليسرى غاضباً كيساً فيه عبوة من الراشي، وقال بصوت عالٍ؛ "يا ناس، الراشي، الذي كان طعام الفقراء، يوشك أن يأصبح طعام الملوك والأغنياء"، في إشارة ألى ارتفاع الأسعار.
راتب أبو عبدالله التقاعدي أقل من 600 ألف دينار، يكلفه شراء الأدوية 400 ألف دينار شهرياً، ويقول بأنه فضلاً عن اجور الكهرباء الوطنية والمولدة الأهلية، "سعر الكيلوغرام الواحد من اللحم وصل غلى 20 ألف دينار، أسعار بعض الفواكه والسلع الغذائية الأخرى باتت تثقل كاهل الكثير من ذوي الدخل المحدود، ارتفاع سعر الدولار سيزيد الطين بلة".
في ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب، ومن خلال رفع قيمة الدولار، فإنكم تجوعون الشعب
لم تقتصر الاحتجاجات على الأسواق والشوارع فحسب، بل امتلأت أن شبكات التواصل الاجتماعي تعج بالمنشورات ومقاطع الفيديو والتعليقات الساخرة التي يعبر فيها الناس عن رفضهم لقرار تغيير سعر الصرف. ويوم الأربعاء، 7 تشرين الأول، وبعد الإعلان عن القرار، ألغت وزارة المالية خيار التعليقات على منشوراتها بموقع فيسبوك، نظراً لسيل التعليقات الساخرة والانتقادات التي كانت تصلها.
محمد غصوب، الذي تحدث لـ(كركوك ناو) بصفة مراقب سياسي، قال إن القرار يخالف اليمين الدستورية الذي أداه أعضاء الحكومة ونواب البرلمان بالذود عن مصالح المواطنين، حيث أن ما تم تنفيذه هو حماية لمصالح القادة السياسيين.
وقال غصوب مخاطباً كبار المسؤولين العراقيين، "إنكم الآن تدمرون الشعب، في ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب، ومن خلال رفع قيمة الدولار، فإنكم تجوعون الشعب".
تتزامن الاحتجاجات مع الأزمة المالية في العراق، والتي لم تقتصر على تعليق إنفاق موازنة تنمية المحافظات والعديد من المشاريع فحسب، بل أدت أيضاً إلى تأخير توزيع الرواتب في الأشهر الأخيرة.
العيون على البرلمان والحكومة
بينما تصر الحكومة على أن تغيير سعر الصرف يهدف إلى دعم الاقتصاد والإنتاج المحلي، يدعو النواب إلى أن تنعكس هذه الخطوات في الأسواق، من خلال السيطرة على الأسعار ومواصلة تأمين المواد الغذائية والأدوية.
عضو اللجنة المالية النيابية، يوسف الكلابي، قال في مؤتمر صحفي إن الحكومة تواجه وضعاً مالياً صعباً والرواتب تُؤَمّن بصعوبة، مع ذلك "يجب أن لا تكون الإجراءات الحكومية على حساب المواطن، يجب منع التجار المضاربين من استغلال الأزمات ورفع الأسعار".
مجلس النواب العراقي والحكومة بصدد طرح ومناقشة مشروع قانون الموازنة، والذي من المقرر أن يتم فيه تثبيت سعر العملة في خطوة سيكون لها تأثير على استقرار السوق.
مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، دافع عن تغيير سعر الصرف، قائلاً إنه جزء من الإجراءات الاحترازية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمالي، في ظل تأثير الأزمات الإقليمية والدولية على صادرات النفط والإيرادات العامة، وذلك وفقاً لوكالة الأنباء العراقية الرسمية.
وأشار أيضاً إلى أن التغيير لا يعني تدهوراً في الوضع الاقتصادي، بل الهدف هو خلق هامش سلامة مالية ونقدية للتعامل مع أي تطورات تؤثر على مصادر العملة الأجنبية.
النزاع حول مضيق هرمز في إطار تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد ايران تسبب بتعطيل 85% من صادرات النفط العراقية، التي توفر 90% من إيرادات البلاد.
ويعتقد الخبير الاقتصادي نوار سعدي أن معالجة عواقب الوضع المالي لا يمكن أن تعتمد فقط على السياسة النقدية، بل تتطلب إصلاحات اقتصادية أوسع.
وقال نوار في تصريح لجريدة "الصباح" إن حل مشكلة السيولة النقدية أمر مهم، شريطة أن يسير جنباً إلى جنب مع إصلاحات أخرى تتعلق بالإنفاق الحكومي والضرائب والتهرب الجمركي وتشجيع القطاع الخاص والإنتاج المحلي، وليس مجرد عبء على كاهل المواطنين.