بعد ستة أعوام من الجهد والمثابرة، وعشرات الساعات من الدوام الليلي والمناوبات الطويلة، لم تستطع شوخ عبد الله الاستمرار في عملها بأحد المستشفيات الأهلية وقررت ترك الوظيفة.
لا تقتصر مشاكل شوخ وزملائها في القطاع الخاص على الرواتب فحسب، بل إنهم محرومون من العديد من الحقوق الأخرى مقارنةً بغيرهم من العاملين في القطاع العام ممن يشغلون نفس المهنة، بما في ذلك غياب الضمان الاجتماعي.
وفقاً لمتابعات (كركوك ناو)، هناك غياب للمساواة الاقتصادية وتفاوت كبير في الواجبات والامتيازات بين المؤسسات الصحية التابعة للحكومة ونظيراتها الأهلية، وهذا الشيء يتكرر في قطاعات أخرى كالتربية.
شوخ عبدالله كانت ضحية لعدم المساواة، حيث عملت ستة أعوام في مستشفى خاص بمدينة السليمانية. كان على شوخ أداء 16 مناوبة ليلية شهرياً مدة كل مناوبة 12 ساعة، كل ذلك براتب شهري أقل من 600 ألف دينار.
خلال سنوات عملها لم تحصل شوخ على اي زيادة في الراتب، عمل كثير وقليل من الحقوق جعلها تترك وظيفتها، "لم يكن لدينا إجازة أمومة. عندما استقلت، لم يكن لدي حتى ضمان اجتماعي".
لم يكن لدينا إجازة أمومة. عندما استقلت، لم يكن لدي حتى ضمان اجتماعي
بينما يعمل موظفو القطاع الخاص لساعات طويلة ويتقاضون أجوراً منخفضة ويُحرمون من بعض الحقوق الأساسية كالضمان الاجتماعي والإجازات، يستفيد العاملون في القطاع العام من مزايا مثل الضمان الاجتماعي، الإجازات الطويلة والترقيات على الرغم من مشكلة تأخر الرواتب.
تعينت آشتي أحمد منذ 15 سنة في مستشفى حكومي، وتداوم ثلاثة ايام في الأسبوع من الثامنة صباحاً لغاية 12:30 بعد الظهر. وقالت آشتي لـ(كركوك ناو)، "يحق لي سنوياً الحصول على إجازة لمدة شهر، كما يمكنني التمتع بإجازة الأمومة وليس لدي أي مشكلة".
لكن موظفي القطاع العام يواجهون العديد من المشاكل الأخرى، فرواتبهم تتأخر منذ سنوات بحجة وجود أزمة مالية، نتيجةً لذلك حرموا من رواتب عدة شهور، وآشتي من بين الموظفين الذين توقفت ترفيعاتهم بسبب قرارات الحكومة.
لم ينحصر عدم المساواة الاقتصادية بين القطاعين العام والقطاع الخاص، بل امتدّ لما وراء ذلك. ففي قطاع التعليم، ثمة فرق شاسع بين التدريسيين المتعينين على الملاك الدائم وأقرانهم المتعينين بصفة عقود.
يتمتع التدريسيون على الملاك الدائم بمخصصات الزواج والأطفال، بالإضافة إلى الترفيعات، بينما يُحرم تدريسيو العقود من هذه الحقوق. ويمكن للدائميين شغل مناصب إدارية كمدير المدرسة أو المعاون، بينما لا يحظى تدريسيو العقود بهذا الامتياز.
الراتب الشهري للتدريسيين المتعينين بعقود هو 400 ألف دينار لحملة شهادة الدبلوم و500 ألف دينار للبكالوريوس، في حين ستتراوح رواتبهم بين 650 و700 ألف دينار إذا تم تثبيتهم على الملاك الدائم.
هناك اختلاف في إجازة الأمومة، فبالنسبة للموظفات المتعينات على الملاك الدائم تكون سنة واحدة و72 يومًا براتب كامل، أما بالنسبة للموظفات المتعاقدات فتكون شهرين و21 يومًا قبل الولادة و51 يومًا بعد الولادة بالراتب الكامل، وبإمكانها الحصول على إجازة شهرين إضافية بنصف الراتب.
يستطيع التدريسيون والموظفون الدائميون الحصول على إجازة مرضية لمدة شهر واحد براتب كامل و45 يومًا بنصف الراتب، وفي حال كان لديهم تقرير اللجنة الطبية، فيمكنهم الحصول على إجازة تصل إلى عامين براتب كامل، بينما يحق للتدريسيين المتعينين بعقود الحصول على إجازة اعتيادية لثمانية ايام في السنة بالراتب الكامل و15 يوم بتقرير اللجنة الطبية.
وتقول سندس رفيق، موظفة في القطاع الصحي الخاص، "عن كل يوم لا أستطيع فيه الذهاب إلى العمل، يتم خصم مبلغ من راتبي، أو أضطر إلى توظيف شخص آخر بدلاً مني". سندس تعمل 16 ساعة يومياً دون أي ضمان اجتماعي أو إجازة أمومة.
عدم المساواة في الواجبات والحقوق المتعلقة بالعمل دفع العديد من الشباب وخريجي الجامعات إلى البحث عن فرص عمل حكومية، في حين أن آخر عملية تعيين تعود لعام 2013، توقفت بعدها التعيينات الرسمية.
الخبير الاقتصادي، كاروان حمه صالح، قال لـ(كركوك ناو) إن "السبب الرئيسي لهذا الاختلاف هو أن القطاع الخاص في إقليم كوردستان لم يملك ضمانات. العاملون في القطاع الخاص لا يستطيعون أن ينعموا براحة بال تامة وأن يكونوا على يقين من مستقبلهم، وفوق ذلك يعانون من القلق والإجهاد، ولديهم امتيازات أقل.
السبب الرئيسي لهذا الاختلاف هو أن القطاع الخاص في إقليم كوردستان لم يملك ضمانات
وفيما يتعلق بالقطاع العام، يعتقد كاروان أن مشكلة تأخر الرواتب وتراجع عدد ساعات العمل، جعل الموظفي يلجأون إلى العمل في القطاع الخاص في أوقات فراغهم.
عشرات الآلاف من خريجي الجامعات والمعاهد لم يحصلوا على تعيينات، وعلى مدار السنوات الماضية نظموا سلسلة من التظاهرات في مناطق مختلفة للمطالبة بالتعيينات وتوفير فرص العمل.
ويعتقد الخبير الاقتصادي أن الحلول ليست بتلك الصعوبة، لكن المشكلة هي "ليس لدينا مؤسسة لصنع القرار تُعنى بتطوير القطاع الخاص وتشجيع الشباب على مزاولة الأعمال الحرة. يشهد الشباب باستمرار إغلاق الشركات والمصانع، الأمر الذي يصيبهم بالإحباط ويجعلهم غير متأكدين من امكانية الاحتفاظ بوظائفهم".
عدم المساواة الاقتصادية شمل أيضاً بعض المؤسسات الإعلامية، حيث اضطر بعض الصحفيين إلى ترك مؤسساتهم والعمل في مؤسسات إعلامية أخرى طمعاً في الحصول على رواتب أعلى.
وأوضح كاروان حمه صالح أنه عندما لا يكون هناك نظام لدعم القطاع الخاص، ولا يتم تنظيم الرواتب، ولا يوجد نظام مالي عادل لدفع رواتب القطاع العام في مواعيدها، فإن كلا القطاعين سيصاب بالشلل. ويقول كاروان إن السبب الرئيسي لذلك هو "الفساد، غياب العدالة واللامبالاة ... بحيث تكون الإدارة بحسب المزاج الشخصي والحزبي والمصالح الشخصية".