تظاهرات أهالي كركوك الأخيرة احتجاجاً على ارتفاع تسعيرة كهرباء المولدات وجّهت رسالة إلى بغداد مفادها أن "الوضع يوشك أن يخرج عن السيطرة". الرسالى تضمنت ايضاً تحذيراً من مغبة التصعيد وتحريف مسار التظاهرات "الأمر الذي يوجب حلولاً عاجلة".
بالتزامن مع وصول هذه الرسالة إلى السلطات بشكل سري عن طريق القوات الأمنية، قررت الحكومة زيادة حصة الكهرباء التي تُزوَّد بها محافظة كركوك وتخصيص المزيد من زيت الغاز (الكاز) المدعوم للمولدات الأهلية، إلى جانب خفض تسعيرة أمبير المولدات الأهلية من 18 ألف إلى 13 ألف دينار.
التظاهرات التي شاركت فيها مكونات كركوك خلال الليلتين الماضيتين شملت العديد من أحياء ومناطق كركوك، وشهدت الليلة الأخيرة حرق الإطارات وترديد الهتافات ضد المسؤولين في المحافظة كم تم إغلاق عدد من الطرق، وامتدت في بعض المناطق تديجياً إلى توتر وصدامات.
انطلاق الاحتجاجات
بدأت الاحتجاجات بعد أن حدد قائمّقام كركوك، في مؤتمر صحفي عُقد بعد ظهر الأول من تشرين الثاني، تسعيرة أمبير المولدات الأهلية بـ18 ألف دينار لكل أمبير.
حظي المؤتمر بتغطية إعلامية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أشعل فتيل الاحتجاجات التي اندلعت مساء نفس اليوم.
عضو مجلس محافظة كركوك، أحمد رمزي، كان أول من أعلن رفضه لتسعيرة أمبير المولدات الأهلية، وخاطب المواطنين بالقول " يا أهل كركوك لا تدفعوا أجور المولدات. أطفؤوها، لا نريد"، وأاشر إلى أن "هذا السعر مرفوض وسنحقق في هذا الموضوع". كما دعا رمزي الحكومة الاتحادية في بغداد إلى "التدخل بشكل عاجل".
عقب المؤتمر الصحفي، انطلقت تظاهرات في ثلاثة من أحياء ومناطق كركوك من مختلف مكونات المدينة (العرب، الكورد والتركمان). رغم ذلك هددت رابطة المولدات الأهلية بإطفاء المولدات في حال تم خفض التسعيرة إلى أقل من 18 ألف دينار.
محمد خليل، أحد المشاركين في تظاهرات حي الشورجة بكركوك قال "يجب على المواطنين أن لا يسكتوا عن حقوقهم، وعلى ممثلينا في مجلس المحافظة والبرلمان أن يتخذوا مواقف جدية ويقفوا ضد هذا الإجحاف".
استجابةً لاتساع نطاق الاحتجاجات، دعا وزير الدولة، محمد سمعان، الذي لم يستقل بعد من منصبه كمحافظ لكركوك، أعضاء مجلس المحافظة إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة الأزمة "أمام الرأي العام ووسائل الإعلام".
وفي الليلة نفسها، دعا رئيس المجلس محمد الحافظ بغداد إلى التدخل لحل الأزمة، وقال إن "على وزارة النفط أن توفر الوقود للمولدات الأهلية".
من أسباب الأزمة قلة حصة الكازالمدعوم (450 دينار للتر الواحد) التي توفرها الحكومة للمولدات الأهلية، حيث أنها لا تكفي لتشغيلها أكثر من عشرة أيام، وفقًا لرابطة المولدات الأهلية.
لذا يضطر أصحاب المولدات إلى شراء الكاز التجاري، الذي يبلغ سعره 1350 دينارًا والذي وصل سعره إلى 270 ألف دينار للبرميل الواحد، بعد أن كان سعره بداية هذا العام لا يتجاوز120 ألف دينار.
حلحلة الأزمة أم تعميقها
بعد أن قررت قائمّقامية كركوك، تحت ضغوط المتظاهرين، خفض تسعيرة أمبير المولدات الأهلية إلى 15 ألف دينار، تم رفض التسعيرة من قبل المواطنين وأصحاب المولدات، ما ادى إلى استمرار الاحتجاجات.
في 2 تشرين الثاني، عقد مجلس محافظة كركوك اجتماعاً طارئاً وقرر خفض التسعيرة إلى 13 ألف دينار في المقابل أعلن قسم من اصحاب المولدات الإضراب وأطفؤوا مولداتهم، وذلك رغم تهديدات قيادة شرطة كركوك باعتقالهم.
إطفاء المولدات أشعل الشارع الكركوكي وفي الليلة الثانية امتدت التظاهرات لتشمل معظم أحياء ومناطق كركوك، ما أثار قلق قيادة الشرطة التي أشرفت بشكل مباشر على عملية السيطرة على الوضع ونشرت عناصرها في شوارع المدينة.
وفقاً لمصدر في قيادة شرطة كركوك، في تلك الليلة حذرت قيادة الشرطة كافة الجهات من أن الوضع ينذر بالخروج عن السيطرة، "الرسالة وجهت إلى إدارة كركوك وجميع الأطراف المشاركة في تشكيل الحكومة المحلية".
عقب تلك الرسالة، استغلت الأطراف علاقاتها مع نواب كركوك لتحذير الحكومة العراقية من المخاطر المترتبة، لا سيما الخوف من "انضمام غرباء إلى المظاهرات وتغيير مسارها".
في نفس الليلة، قررت الحكومة العراقية زيادة حصة كركوك من الكهرباء بمقدار 150 ميغاواط، (من 650 ميغاواط إلى 800 ميغاواط)، بالتزامن مع ذلك شنت القوات الأمنية حملة لاعتقال المتظاهرين.
وقال مصدر أمني إن "15 متظاهراً اعتقلوا بتهمة حرق وتدمير الممتلكات العامة خلال الاحتجاجات ضد ارتفاع تسعيرة أمبير المولدات".
في الليلة نفسها، حرّكت إدارة كركوك قوة من قيادة العمليات المشتركة نحو مدينة كركوك لتشارك إلى جانب الشرطة المحلية في احتواء الوضع.
محمد سمعان، الذي لم يستقل من منصب محافظ كركوك رغم توليه منصب وزير الدولة في الحكومة العراقية، ويشغل المنصب منذ ستة اشهر عن حصة التركمان، قال في بيان آخر بعد اتساع التظااهرات، إن الهدف من إثارة أزمة المولدات في كركوك هو استهداف المحافظ التركماني، مضيفًا أن " لخلل ليس في الإدارة المحلية لكركوك كما يُثار، بل في تجهيز الكهرباء والكاز".
وأوضح أنه " لو توفر الكاز مجاناً لأصحاب المولدات لكان سعر الأمبير 3 آلاف دينار"، مشيراً إلى أن " التظاهر حق مشروع، شرط الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة وعدم المساس بالقوات الأمنية".
سامال بازياني، رجل دين وأحد المشاركين في التظاهرات قال "جئنا لكي نعبر عن احتجاجنا ونوصل معاناة المواطنين للسلطات".
وأضاف، " تعرض الناس للعديد من الصعوبات خلال فترة وجيزة، حيث ارتفع سعر صرف الدولار وارتفعت أسعار السلع. فرص عمل غير متوفرة، والآن رفعوا سعر أمبير المولدات. كل ذلك زاد من معاناة المواطنين".
مسكنات لإخماد الأزمة
بعد ظهر يوم الثلاثاء، 3 تشرين الثاني، اجتمع رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، مع ممثلي كركوك في الحكومة والبرلمان، وقرر خلال الاجتماع تخصيص 5 مليون لتر من الكاز وزيادة حصة كركوك من الكهرباء بواقع 150 ميغاواط لمعالجة أزمة الكهرباء في كركوك بصورة جذرية.
وزير العدل، خالد شواني، قال في بيان عقب اجتماع الزيدي إن "رئيس الوزراء قرر توفير فرص عمل لأهالي كركوك عن طريق الشركات الأجنبية التي تعمل في المحافظة".
إدارة كركوك والحكومة عالجت مشكلة الكهرباء لهذا الشهر، وذلك خلال اجتماع مع رابطة المولدات الأهلية، بحضور قائمّقام كركوك وقائد الشرطة ومسؤولين من إدارة كركوك. ويتمثل الحل في استيفاء 13 ألف دينار من المواطنين لهذا الشهر، لكن التسعيرة المسجلة على الوصولات هي 24 ألف دينار لكل أمبير.
وفقاً للرابطة، سيبقى المبلغ المتبقي (11 ألف دينار لكل أمبير) بصورة ديون على المواطنين، دون تحديد موعد سدادها.
تظاهرات كركوك فتحت فصلاً جديداً يتعلق بالفراغ الإداري القائم في كركوك والمتعلق بمنصب المحافظ، بعد أن أدى محمد سمعان اليمين الدستورية كوزير دولة الشهر الماضي، دون أن يتخلى عن منصب المحافظ.
مكتب الزيدي أشار في البيان الذي تمخض عن الاجتماع إلى "ضرورة الإسراع في حسم ملف انتخابات محافظة كركوك ووضع حد للفراغ الإداري".
محمد سمعان قال في بيان حول الأزمة، "حين يأتي ضيوف إلى كركوك يخرج الكثيرون ممن يقولون أن سمعان لا يجوز أن يستقبلهم كونه ليس محافظاً بل وزيراً للدولة، لكن حين تحدث الأزمات يطالبونني بالتصدي لها كمحافظ".
مصدر إداري في ديوان المحافظة قال إن "أزمة الكهرباء في كركوك لم تُحلّ بعد بشكل كامل. يجب أن نعرف إلى متى ستستمر الحكومة العراقية في تزويد كركوك بالـ 150 ميغاواط الإضافية وكذلك الكمية المضافة إلى حصة المحافظة من الكاز... متى ما عاد موضوع استلام مبلغ الـ 11 ألف دينار مجدداً، نتوقع أن تتجدد الاحتجاجات، لذا يجب علينا إيجاد حل جذري."