يواجه 91 بالمائة من الأسر في إقليم كوردستان تراجعاً حاداً في الدخل والوضع المعيشي؛ ووفقاً لأحدث دراسة، فإن تأخر صرف الرواتب تسبب في أزمة طويلة الأمد أصبحت فيها النساء، بسبب الضغوط النفسية، الضحية الأولى، ما اضطرهن للاستغناء تماماً عن مصاريفهن الشخصية.
الدراسة أجراها المجلس الآعلى للمرأة والتنمية في إقليم كوردستان، بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تحت عنوان "تأثيرات تأخر الرواتب وتخفيض الميزانية على الأسرة: تحليل قائم على النوع الاجتماعي".
شارك في الدراسة 400 أسرة وعدد من المسؤولين الحكوميين ضمن حدود المحافظات والإدارات المستقلة في الإقليم بشأن أزمة تأخر الرواتب، والتي لا يُنظر إليها كمجرد أزمة مالية مؤقتة، بل تبين في النتيجة أنها أحدثت شرخاً عميقاً في العدالة الاجتماعية.
يواجه إقليم كوردستان أزمة اقتصادية منذ عام 2014 بسبب الأوضاع في المنطقة وكذلك الخلافات مع الحكومة الاتحادية والتي أدت إلى تأخر صرف رواتب الموظفين أو استقطاعها وأحياناً إدّخارها، الأمر الذي أثر على السوق والمشاريع الخدمية.
الأمن الأسري على شفير الانهيار
تعاني غالبية العوائل في إقليم كوردستان من أزمة تأخر الرواتب، مما يؤدي إلى تراكم الديون عليها واستنزاف مدخراتها، ولجوء الكثير منها إلى بيع أغراضها وممتلكاتها لتأمين قوتها.
91 بالمائة من المشاركين في الدراسة أكدوا تعرضهم لصعوبات في تأمين المصاريف اليومية، في حين يعجز 89 بالمائة من المستأجرين عن دفع إيجاراتهم الشهرية، و87 بالمائة أكدوا عدم تمكنهم من إدّخار أي مبالغ تزيد عن حاجتهم.
تأثيرات تأخر رواتب الموظفين امتدت إلى القطاع الصحي، حيث إن 85 بالمائة من الأسر غير قادرة على توفير تكاليف العلاج الطبي والمستشفيات، كما اضطر 82 بالمائة منهم إلى تقليل كلفة ونوعية الوجبات الغذائية، إلى جانب تقليل النفقات اللازمة لتربية الأطفال لكي يتمكنوا من تأمين معيشتهم، وتراكمت الديون على 78 بالمائة من الأسر، حيث استدان 70 بالمائة منهم من أصحاب المحال أو الأقارب لشراء الطعام، بينما لجأ 56 بالمائة منهم إلى بيع ممتلكاتهم، بما في ذلك الأراضي، الذهب، السيارات، والأغراض المنزلية.
تداعيات تأخر صرف الرواتب لها تأثيرات طويلة الأمد؛ حيث لا يستطيع 92 بالمائة من العوائل وضع خطط مستقبلية، كما تعرض 85 بالمائة منهم لضغوط نفسية، ويخشى 75 بالمائة من المشاركين على مستقبل معيشة وتعليم أطفالهم، فضلاً عن أن النسبة ذاتها تؤكد أن تأخر الرواتب يعد سبباً للمشاكل والخلافات داخل الأسر.
66 بالمائة من الموظفين لجأوا إلى أعمال إضافية، أما الذين يعتمدون فقط على الرواتب فقد وقعوا تحت طائلة الديون وتخلّوا عن الأغذية الصحية ذات الجودة، وذلك مقارنة بمن لديهم أكثر من مصدر دخل. كما لم تتمكن 82 بالمائة من الأسر في إقليم كوردستان من دفع فواتير الكهرباء والماء والإنترنت في مواعيدها المحددة.
النساء؛ الضحية الأولى للأزمة
أظهرت الدراسة أن عدم المساواة الاقتصادية حمّل النساء أعباء غير متناسبة مع حجم الأزمة. في وقت تعرض فيه القطاع العام للشلل، أُجبرت النساء على تحمل أعباء أكبر من خلال التخلي عن حقوقهن واحتياجاتهن الأساسية.
إذ تعرضت 88 بالمائة منهن لضغوط نفسية شديدة بسبب صعوبة تأمين احتياجات المنزل، مقابل 80 بالمائة من الرجال. كما اضطرت 87 بالمائة من النساء للتخلي عن نفقاتهن الشخصية لتلبية احتياجات أسرهن، مقابل 81 بالمائة من الرجال.
واشارت 82 بالمائة من النساء إلى أنهن تحملن المسؤولية الكاملة عن إدارة الميزانية المحدودة وأجواء المنزل.
وفي حين بحث 78 بالمائة من الرجال عن عمل إضافي، لجأت 55 بالمائة من النساء إلى العمل المؤقت والحرف اليدوية. وأكد 61 بالمائة من المشاركين أن المشاكل المالية أدت إلى التوتر وتدهور العلاقة بين الزوجين.
بحسب الدراسة، 76 بالمائة من الرجال و71 بالمائة من النساء أكدوا أن تأخر الرواتب أضعف بشكل مباشر قدرة الآباء والأمهات على رعاية صحة أطفالهم وتعليمهم، فيما أشار 73 بالمائة من الرجال و72بالمائة من النساء إلى أن انخفاض الدخل، زاد من مشاركتهم في أعمال أخرى مثل الخياطة، إعداد الطعام في المنزل، أو بيع منتجات الحرف اليدوية.
العبء أثقل في حلبجة والسليمانية
الدراسة كشفت تبايناً واضحاً في توزيع الثروات وتأثيرات الأزمة بين محافظات الإقليم، حيث نالت حلبجة والسليمانية النصيب الأكبر من الأضرار، ففي حلبجة، اضطرت 98 بالمائة من الأسر إلى تقليل نفقاتها، مقابل 95 بالمائة في السليمانية، و89 بالمائة في أربيل، و86 بالمائة في دهوك.
كما واجه 94 بالمائة من المستأجرين في أربيل صعوبة في دفع الإيجار، مقابل 89 بالمائة في السليمانية و84 بالمائة في دهوك و70 بالمائة في حلبجة. وفيما يتعلق بالعلاج الطبي، عجزت 95 بالمائة من أسر حلبجة عن تحمل تكاليفه، مقابل 91 بالمائة في السليمانية و82 بالمائة في أربيل و79 بالمائة في دهوك.
فيما يتعلق بمسألة تقليل نفقات تعليم الأطفال، كانت حلبجة الأقل تضرراً بنسبة 84 بالمائة مقابل 82 بالمائة في أربيل و 80 بالمائة في دهوك.
الخلافات الزوجية بسبب الظروف المالية كانت 65 بالمائة في السليمانية، 63 بالمائة في كل من أربيل وحلبجة و 51 بالمائة في دهوك.
وعزت الدراسة يبب ازدياد الضغوط النفسية في حلبجة والسليمانية إلى ضعف الاقتصاد التجاري والقطاع الخاص في هذه المناطق مقارنةً بأربيل ودهوك حيثث تتوفر فيهما فرص أكثر للعمل في القطاع التجاري والمناطق الحدودية.
مسؤولون كبار في وزارات الصحة، التربية، الكهرباء، البلديات، والمياه كشفوا في الدراسة وجود العديد من المشاكل بسبب أزمة الرواتب، منها نقص الملاكات بسبب إحالة عدد كبير من الموظفين إلى التقاعد، إضافةً إلى مواجهة المستشفيات الحكومية مشاكل في توفير المستلزمات الأساسية وتراجع خدماتها بسبب نقص التخصيصات المالية.
في إطار الدراسة، قدم المجلس الأعلى للمرأة والتنمية عدة مقترحات وتوصيات عاجلة إلى حكومة إقليم كوردستان، والحكومة الاتحادية، والمنظمات الدولية لتقليل تأثيرات أزمة الرواتب، بينها: التوصل إلى اتفاق نهائي مع بغداد لضمان صرف الرواتب وفق جدول زمني ثابت، حماية المزانة المخصصة لقطاعات الصحة، التربية، الماء، والكهرباء، وكذلك توسيع المساعدات لتشمل الأسر ذات الدخل المحدود أو التي تعتمد على راتب واحد فقط.
كما أوصى المجلس بمراعاة العبء الواقع على النساء وتوفير فرص عمل وتدريب مهني لهن، ليصبحن صاحبات دخل مستقل.