خطط تحويل جلولاء وقبلها قرة تبة إلى أقضية قد يسفر عنها تغيير موازين القوة لصالح العرب السنة. الشيعة تعارض والجهة الكوردية رغم احتجاجها على القرار، يهمها أكثر خانقين التي تواجه خطر التقليص والتهميش.
في الوقت الذي يفسر فيه الجانب الكوردي القرار انتهاكاً للمادة 140 من الدستور العراقي، توجد مخاوف من تغيير الخارطة السياسية والديموغرافية لمحافظة ديالى، كونه سيؤثر على مستقبل التمثيل والهوية الإدارية لهذه المناطق التي يعتبرونها جزءاً من إقليم كوردستان. الشيعة يرون هذ الخطوة تعزيزاً لموقع العرب السنة وتوسعاً أكبر لنفوذهم ، بالأخص في المناطق المتاخمة للحدود مع إيران.
بداية مشحونة
في 31 كانون الأول 2024، قرر مجلس محافظة ديالى بأغلبية تسعة أعضاء من أصل 15 عضواً، تحويل نواحي قرة تبة، جلولاء وبني سعد إلى أقضية، خطوة أثارت في حينها احتجاجات وشكوك وصراعات بين الكتل امتدت إلى الشارع.
استمر النقاش لعدة أشهر، بالأخص حول قرة تبة، حتى أصدرت وزارة التخطيط العراقية في 2 تموز 2025 أمراً إدارياً قرر بموجبه تحويل ناحية قرة تبة وحدها من بين النواحي الثلاث إلى قضاء، حيث حددت قرة تبة مركزاً للقضاء وضم ناحية جبارة.
نتيجة لهذا القرار فقدت خانقين ناحيتين (قرة تبة وجبارة)
رغم احتجاج الكورد واللجوء للمحاكم، تم الإعلان رسمياً عن استحداث قضاء قرة تبة وباشر قائمّقام القضاء مهامه في 26 تموز 2025.
في 19 شباط امن العام الحالي، أي بعد حوالي سنة وشهرين من صدور قرار مجلس المحافظة، أعلن رئيس مجلس المحافظة، عمر الكروي، في مقطع فيديو تحويل ناحية جلولاء إلى قضاء.
بتاريخ 23 شباط 2026، أصدر وزير التخطيط العراقي، خالد بتال النجم أمرًا وزاريًا يقضي باستحداث قضاء جلولاء الذي يضم ايضاً ناحية السعدية.
بعد هذا القرار فقدت خانقين ناحيتين أخريين هما جلولاء والسعدية.
المحاكم والقانون في ملف جلولاء وقرة تبة
الجانب الكردي، بجميع القوى السياسية، يصر على أن قرار استحداث قضاءي جلولاء وقرة تبة "غير قانوني" ويخالف الدستور العراقي.
النائب في البرلمان العراقي عن تحالف العزم (مرشحة الحزب الديمقراطي الكوردستاني)، نازك أحمد، صرحت لـ(كركوك ناو) إن "تحويل ناحيتي جلولاء وقرة تبة إلى أقضية غير دستوري ويضم انتهاكات قانونية ودستورية، يبدو أن الحكومة العراقية لا تعمل بالدستور، لأن هذه المناطق تقع ضمن المناطق المتنازع عليها ويجب أن لا تجرى أي تغييرات على وحداتها الإدارية".
وفقاً للمادة 140 من الدستور العراقية، تعد خانقين وأجزاء أخرى من ديالى مناطق متنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان.
وفقًا للدستور العراقي الدائم، يجب ألا تخضع المناطق المشمولة بالمادة 140 لأي تغييرات أساسية في وضعها الإداري أو الديموغرافي أو الحدودي حتى يتم تنفيذ جميع المراحل الثلاث للمادة (التطبيع، التعداد والاستفتاء).
أوس إبراهيم، العضو الوحيد عن الأحزاب الكوردية/الاتحاد الوطني الكوردستاني في مجلس محافظة ديالى قال لـ(كركوك ناو) إن "إجراءات استحداث قضاء قرة تبة وجلولاء غير قانونية وتم التحايل في بعض الإجراءات، لذا فيما يتعلق بقرة تبة لجأنا للمحكمة وسجلنا شكوى في المحكمة الإدارية بانتظار القرار النهائي الذي سيصدر في آذار (2026)".
أوس ابراهيم وجه كتاباً إلى رئيس لجنة تنفيذ المادة 140 طلب فيه على حد قوله إيقاف كافة إجراءات رفع درجات الوحدات الإدارية في المناطق المشمولة بالمادة 140".
تحويل ناحيتي جلولاء وقرة تبة إلى أقضية غير دستوري
ممثلو الجانب الكردي يسعون إلى إلغاء قرار تحويل ناحيتي جلولاء وقرة تبة إلى أقضية عن طريق المحاكم، وكذلك كسب تأييد أطراف أخرى، لا سيما العرب الشيعة.
في منتصف أيلول 2025، رفضت المحكمة الإدارية في بغداد دعوى قضائية ضد قرار استحداث قضاء قرة تبة، بحجة تقديمها بعد مرور 30 يومًا من تاريخ الاستحداث.
وكان مجلس محافظة ديالى قد وجه في 20 تموز 2025 كتاباً إلى وزارة التخطيط لإيقاف اجراءات استحداث قضاء قرة تبة لحين التحقيق في شروط الاستحداث، لكن الإجراءات لم توقَف.
ويقول أوس إبراهيم إن تسعة أعضاء من المجلس وقعوا رسالة إلى رئاسة مجلس محافظة ديالى، علقوا بموجبة القرار والإجراءات المتعلقة بتحويل ناحية جلولاء إلى قضاء، وسيسعون لإلغاء قرار وزارة التخطيط.
الأحزاب الكوردية في ديالى لديها نائب واحد في البرلمان العراقي وممثل وحيد في مجلس المحافظة، ويشارك الاتحاد الوطني الكوردستاني في تشكيل إدارة المحافظة والمجلس المحلي مع عدد من الأطراف العربية السنية والشيعية.
النائب في البرلمان العراقي عن الكورد، نازك أحمد، قالت إنهم اقترحوا إرسال وفد من إقليم كوردستان لزيارة بغداد والاجتماع مع وزارة التخطيط لمناقشة القضية، لأن "هذه القضية لها بعد سياسي واقتصادي سيئ على خانقين".
الخانقينيون مستاؤون
في 25 شباط أعلنت كافة المحال والأسواق والأماكن العامة في قضاء خانقين إضراباً عاماً ضد مساعي "تقليص وتهميش" القضاء عن طريق فصل أربع نواحي عنها هي جلولاء، السعدية، قرة تبة وجبارة.
تأسست قرة تبة في العصر العثماني، يبلغ تعدادها السكاني 560 ألف نسمة يتوزعون على 10 أحياء وقرى، سكان قرة تبة خليط من الكورد، العرب والتركمان والناحية تقع ضمن المناطق المتنازع عليها.
ويعود تاريخ تأسيس جلولاء إلى عام 1958، تعدادها السكاني 94 ألف نسمة من مكونات متنوعة، أما السعدية التي من المقرر أن تُضم إلى قضاء جلولاء فيتجاوز عدد سكانها 40 ألف شخص.
الناشط المدني وعضو لجنة الدفاع عن خانقين، سلام عبد الله، قال لـ(كركوك ناو) إن "مطالبنا تتلخص في نقطتين رئيسيتين، الأولى هي تطبيق المادة 140 من الدستور، والثانية هي تعليق جميع القرارات المتعلقة باستحداث أقضية جلولاء وقرة تبة، لأن خانقين أصبحت حالياً لا تضم أي ناحية.... يريدون تهميش خانقين وتقليصها".
وفقاً لوزارة التخطيط العراقية، حصلت جلولاء على 80 درجة من معايير التحويل إلى قضاء، كما أنها تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي وتعد نقطة لاتقاء بين عدد من المحافظات، إضافةً إلى بنيتها التحتية المهمة من بينها، المدارس، المستشفيات، المراكز الصحية، مشاريع الماء والكهرباء والإمكانيات السياحية والزراعية.
رابعة عباس، ناشطة مدنية في خانقين، قالت لـ(كركوك ناو) إن لخانقين تاريخ عريق وكانت ترتقي لأن تكون محافظة منذ عقود، لذلك لا يمكن لأحد أن يقلل من شأنها. أهالي القضاء بجميع مكوناتهم يقفون ضد أي محاولة لتقويض التعايش في خانقين وتقليص القضاء".
خانقين على وشك أن "تُخنق"
استحداث أقضية جلولاء وقرة تبة يجعل خانقين وسط حصار جغرافي واقتصادي يقوده إلى الاختناق، بحسب قائمّقام القضاء، جواد فيض الله.
وقال فيض الله لـ(كركوك ناو) إن " جميع الإجراءات المتعلقة بتحويل ناحيتي قرة تبة وجلولاء وجلولة إلى أقضية تتضمن انتهاكات، لأن المنطقة مشمولة بالمادة 140 ولا ينبغي إجراء أي تغييرات إدارية فيها".
خانقين، التي أصبحت قضاءً في عام 1921 ويبلغ عدد سكانها، من ضمنهم سكان النواحي، أكثر من 260 ألف نسمة، كان ملفها والأمني وأغلب مناصبها الإدارية بيد الأحزاب الكوردية حتى 16 أكتوبر 2017، بعد عودة القوات الاتحادية وانسحاب قوات البيشمركة بسبب التوترات التي أعقبت استفتاء الاستقلال في إقليم كوردستان والمناطق المتنازع عليها.
بسبب قرارات استحداث أقضية قرة تبة وجلولاء، أصبحت خانقين لا تضم أي ناحية، وتتألف فقط من مركز القضاء.
وأوضح قائمقام خانقين، جواد فيض الله بأنه"وفقًا لقرار وزارة التخطيط، تم تطويق خانقين لأن حدود قضاء جلولاء تصل إلى الحدود الجغرافية لمركز قضاء لخانقين، وهي حدود بلدية خانقين، على هذا الأساس ستُفصل جميع القرى والأراضي الزراعية عن خانقين ويتم ضمها إلى جلولاء".
الكورد والشيعة في جبهة واحدة
وفقاً لمتابعات مراسل (كركوك ناو)، أعضاء مجلس محافظة ديالى الذين وقعوا طلب إلغاء قرار استحداث قضاء جلولاء هم ممثلو القوائم والأحزاب الشيعية داخل المجلس (بدر، العصائب والأساس) إضافةً إلى ممثل حزب تقدم.
المصادر الشيعية التي تحدثت إليها (كركوك ناو) لا تخفي خوفها من خطر تعزيز نفوذ العرب السنة في ديالى على حساب الشيعة والكورد، لا سيما في منطقة حدودية حساسة بين العراق وإيران.
وفقًا لقرار وزارة التخطيط، تم تطويق خانقين
ووفقًا لمصادر مسؤولة في ديالى، يرى الشيعة أن استحداث قضاءي جلولاء وقرة تبة سيُغير موازين القوى، من خلال تعزيز وتوسيع المناطق السنية وإنشاء وحدات إدارية جديدة، خصوصاً بالقرب من الحدود الإيرانية.
وبحسب متابعات (كركوك ناو)، الجهات الشيعية لن تقبل بأن ينشأ السنة قضاءً آخر لهم في ديالى، لأن ذلك سيقلص موقع الشيعة والكورد.
تضم محافظة ديالى ثمانية أقضية، أربعة منها ذات نفوذ سني، وثلاثة ذات نفوذ شيعي، وقضاء واحدة فقط، هو قضاء خانقين، ذات نفوذ كردي.
وبإضافة جلولاء وقرة تبة، سيصبح عدد أقضية ديالى عشر أقضية، وفي هذه الحالة لن تصل مناطق نفوذ القوى الكوردية والشيعية مجتمعة إلى مستوى مناطق نفوذ العرب السنة.
حكومة الإقليم: خانقين ليست وحيدة
الهيئة العامة للمناطق الكوردستانية خارج إدارة حكومة إقليم كوردستان (هيئة خاصة بالمناطق المتنازع عليها وتابعة لمجلس وزراء إقليم كوردستان) أشرفت في 26 شباط على اجتماع في أربيل شاركت فيه الأحزاب الكوردية الموجودة في خانقين. الهيئة شددت على أن "خانقين ليست وحيدة وتحظى بدعم الإقليم".
رئيس الهيئة، فهمي برهان، قال في مؤتمر صحفي حضره مراسل (كركوك ناو) إن " مشكلة غير دستورية وغير قانونية قد ظهرت في خانقين، تتمثل بتحويل ناحيتي جلولاء وقرة تبة إلى أقضية"، ويرى فهمي بأن ما حدث هو امتداد للسياسات السابقة لفصل المناطق الأصلية عن محافظاتها.
قال: "إنه مسعى غير دستوري ومخالف للمادة 140 من الدستور"، لذا سنسعى لمنع هذا الأعمال غير الدستورية وغير القانونية في هذه المناطق".
وقال فهمي برهان إنهم أكدوا للأحزاب بأن"الخانقينيين ليسوا وحدهم، وبأنهم يحظون بدعم جميع أهالي كوردستان، وحكومة الإقليم ".
هيئة المناطق الكوردستانية وممثلو الأحزاب في خانقين طلبوا من رئيس الجمهورية والنواب "الوقوف صفاً واحداً ضد هذا الغبن"، لأن التهديد لا يقتصر على خانقين فحسب، في حال نجحت هذه المساعي، "قد يشمل التهديد مستقبلاً كركوك وسنجار والمناطق الأخرى"، لكن رئيس الجمهورية والحكومة العراقية والبرلمان العراقي لم يدلوا حتى الآن بأي شيء بهذا الخصوص.