كل خمسة أيام تُقتل امرأة في اقليم كوردستان بصمت وتحت ذرائع مختلفة، ويرى المدافعون عن حقوق النساء بأن الإفلات المتكرر للجناة من العقاب وإصرار الحكومة على عدم تغطية جرائم القتل من اسباب استمرار استهداف النساء.
خلال عام 2025 سجلت شبكة 8 مارس مقتل 69 امرأة في مناطق مختلفة من اقليم كوردستان، فضلاً عن مقتل 13 امرأة أخرى خلال أول شهرين من العام الحالي، ما يعني أن امرأة قُتلت كل خمسة ايام خلال تلك الفترة.
الإحصائية "صادمة". بحسب شبكة 8 مارس التي تعنى بالدفاع عن حقوق النساء وتضم عدداً من المنظمات العاملة في هذا المجال. ويرى أعضاء الشبكة أن الإحصائية تعني بأن اقليم كوردستان لا تزال غير آمنة للنساء، رغم الادعاءات المستمرة للمسؤولين بالدفاع عن حقوق النساء وإظهار الدعم للمساواة بين الرجل والمرأة.
في اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف اليوم (8 مارس)، ذكّر المدافعون عن حقوق المرأة حكومة إقليم كوردستان بهذه الإحصائية، واصفين إياها بأنها إحصائية "خطيرة" تهدد النساء في إقليم كردستان.
الناشطة في مجال حقوق المرأة ومديرة منظمة الناس للتنمية، بهار منظر، قالت لـ(كركوك ناو) إن "الإحصائية قد أصابتنا بالقلق...حيثما لا توجد حقوق متساوية بين الرجال والنساء، كالحقوق الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والقانونية، سيؤدي هذا التمييز إلى استمرار جرائم قتل النساء".
بهار منظر، وهي أيضاً عضوة في شبكة 8 مارس التي سجلت الإحصائية الخاصة بجرائم قتل النساء في الإقليم، قالت إن "قتل النساء في إقليم كوردستان يتعلق بالعقلية القبلية التي تدعم وتسهل جرائم قتل النساء بحجة غسل العار".
القلق الأكبر عند بهار منظر يتمثل في غياب استراتيجية لمناهضة لهذه الجرائم وبأنها لا تُذكر إلا "بشكل سطحي".
فيما يخص جهود المنظمات للتعامل مع القضية قالت، "لم يتوانوا في جهودهم، لكنهم لم يلقوا الدعم اللازم... هناك عقبات أمام جعل جرائم قتل النساء قضية مجتمعية".
ومع ذلك، تشعر بهار بالقلق إزاء استخدام الصلح العشائري لحل قضايا قتل النساء، مؤكدة أن "اللجوء للصلح العشائري جعل النساء ضحايا مرة أخرى، بل وفي بعض الأحيان أدى ذلك إلى تغيير مسار القضية في المحكمة، لأن المتهم كان ينتمي لقبيلة كبيرة تحظى بدعم الأحزاب".
القانونية والناشطة في مجال حقوق المرأة، كشه دارا حفيد، تقول إن القانون عندما يفرض عقوبة، فإنه يفعل ذلك لمنع الآخرين من تكرار الجريمة. وأضافت، "لكن بما أن الكل ليسوا متساوين أمام القانون، لذا ستستمر حوادث العنف، بما في ذلك جرائم قتل النساء".
الإفلات من العقاب من أكبر المشاكل التي تواجه الحكم في إقليم كوردستان، والتي يطال شرارها النساء.
"دعم المجرمين وإفلاتهم من العقاب يؤدي إلى تكرار الجرائم، حيث يقوم السياسيون والأحزاب، للأسف، بإيواء المجرمين وحمايتهم، لا سيما المتورطين في جرائم قتل النساء".
كشه دارا، وهي عضو سابق في الدورتين الثالثة والرابعة لبرلمان كوردستان، أبدت بعض الملاحظات حول القوانين وتنفيذها، حيث ترى أن هناك نوع من التسهيلات للإفلات من العقاب، خصوصاً في النصوص والفقرات التي تتطرق إلى المصالحة.
وأضافت، "في الفترة التي كنت فيها عضو في البرلمان، أصرينا على ضرورة إصدار قرار بعدم شمول المتورطين في جرائم قتل النساء بالعفو العام، وقد تطلب ذلك إرادة قوية في البرلمان، لولا الضغوط التي مارسناها نحن النساء لم يكن البرلمان سيضيف الفقرة المتعلقة بعدم شمول قتلة النساء بالعفو العام".
تؤيد القانونية والناشطة في مجال حقوق المرأة، رازاو كولي، تصريح كشه دارا، لكنها تعتقد أن عدم تفعيل برلمان كوردستان وعدم قدرته على تعديل القوانين بشكل أفضل ومراقبة أداء الحكومة وتطبيق القوانين، يؤدي إلى عدم تخوف الجناة من راتكاب جرائم القتل وتكرارها، "عندما لا تكون هناك مؤسسة تشريعية قادرة على معاقبة الجناة، سيؤدي ذلك حتماً إلى تفاقم حالات قتل النساء"، بحسب رازاو.
وتضيف، "في وقت من الأوقات، تطلبت تجربة إقليم كوردستان إزاء العلاقات الدولية منه التظاهر بأنه يحمي حقوق المرأة، لذلك تم العمل على تعديل بعض المواد والفقرات التي كانت تتعارض مع حقوق المرأة، بالأخص قانون الأحوال الشخصية وكذلك إصدار قوانين أخرى لحماية النساء، منها قانون إساءة استخدام أجهزة الاتصالات وقانون مناهضة العنف ضد المرأة".
وزارة الداخلية في حكومة اقليم كوردستان أبلغت منذ أربعة أعوام مديريات مناهضة العنف ضد المرأة بعدم نشر إحصائيات حالات القتل، نتيجة لذلك تعذر على (كركوك ناو) الحصول على إحصائية رسمية حكومية. مديرية الشرطة شددت على أن الإحصائية موجودة عند مديرية مناهضة العنف التي قالت بدورها إنها موجودة عند الشرطة.
آخر إحصائية نشرتها مديرية مناهضة العنف ضد المرأة كانت في 2022، أشارت فيه إلى مقتل 44 امرأة في عام 2022، فيما كشفت مصادر حكومية إلى مقتل ما لا يقل عن 30 امرأة في عام 2023.
خانزاد أحمد، عضو المجلس الأعلى للمرأة -مؤسسة معنية بالدفاع عن حقوق المرأة تابعة لمجلس وزراء الإقليم-، شددت في رسالة في اليوم العالمي للمرأة على التزام حكومة الاقليم بالمسائل التي تؤكد عليها الأم المتحدة لهذا العام، منها الحقوق، العدالة والخطوات العملية. وقالت خانزاد إن "لهذا الموضوع علاقة عميقة ومباشرة بأولويات الحكومة لكي تتاح لجميع النساء حقوق التعليم، التعيينات وبيئة صحية للعمل".
ولفتت خانزاد إلى أن قضية العدالة تعني بالنسبة لحكومة الاقليم سد الثغرات الموجودة في القوانين وتنفيذها".
العام الماضي، دعا مكتب المدعي العام في آذار والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في أيلول إلى عدم تغطية حوادث القتل، لذلك تعتقد الناشطات النسويات أن قضايا قتل النساء أصبحت الآن تمر بصمت.
في 18 أيلول 2025، نشرت رئاسة ديوان مجلس وزراء اقليم كوردستان، بناءً على طلب من الهيئة المستقلة لحقوق الانسان، تعميماً على جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية جاء فيه، "من الآن فصاعداً لا يسمح لأي قناة أو صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي نشر صور ومقاطع فيديو لحوادث جرائم القتل والمتهمين وأماكن وأوقات وقوع الجرائم وتغطيتها".
خبراء الصحافة والإعلام يقولون إن محاولة تفسير هذه الخطوة أمر معقد "لأنك لا تعرف ما الذي يجب تصحيحه".
الباحث في مجال الإعلام، أرسلان رحمن يعتقد أن من غير الممكن أن تمر حوادث قتل النساء مرور الكرام على وسائل الإعلام، لكنه يقترح أن يتلقى الصحفيون الذين يغطون قضايا النساء، من ضمنها القتل والعنف، "تدريبات خاصة ليكونوا على دراية بتفاصيل التغطية الاعلامية".
لذا عبر أرسلان عن معارضته لقرار منع تغطية حوادث القتل وقال "يجب أن يكون المجتمع على دراية بما يحدث من حوله وأن يمتلك الوعي اللازم بشأن حوادث العنف. وشدد على أن "عدم تغطية حوادث العنف يخلق الظروف المواتية للعنف وقتل النساء، لذا يجب علينا دعم تغطية حوادث العنف".
واستدرك أرسلان بالقول، "لكن من حيث كيفية التغطية الاعلامية وتقديم المعلومات وصنع التأثير باتجاه الابتعاد عن العنف، لم يتمكن الاعلام من لعب دوره كما يجب... الاعلام الكوردي في الأساس ليس مبنياً على الحلول".
بشأن ما يمكن عمله لتقليل جرائم قتل النساء، تقترح مديرة منظمة دابين للدفاع عن حقوق المرأة، دلسوز زنكنه، أن تجري المنظمات تغييرات على أنشطتها وفعاليتها، "نطالب منذ سنوات عديدة بوضع حد لجرائم قتل النساء لكننا لم نلق آذاناً صاغية، يجب التفكير في فعاليات من نوع آخر تكون ذات تأثير أكبر".
من جانبها، ترى بهار منظر أن التعليم مرحلة مهمة يجب أن يتم فيها تعليم الأطفال والمراهقين بطريقة تضمن فهماً إنسانياً للمرأة، "يجب أن تدرج قضية المرأة في المناهج التربوية"، وتضيف، "أنا ايضاً أؤيد اتباع المنظمات طرق وأساليب جديدة لكي تجمع الآراء المؤيدة للمرأة من حولها، فلا يمكنهم مواجهة طوفان قتل النساء بمفردهم".