وضع مسلحو داعش عائلة آمنة أحمد ذات الـ19 عاماً أمام خيارين أحلاهما مر، إما الزواج بأحد مسلحي داعش أو أن يعود شقيقها ذو الـ16 عاماً من كركوك إلى الحويجة للالتحاق بمسلحي التنظيم، وذلك بعد أيام قليلة من فراره من أيديهم. الضغوط أجبرت آمنة في نهاية المطاف على قبول الخيار الأول.
يعود خيار آمنة الاضطراري لبداية سيطرة التنظيم على قضاء الحويجة في حزيران 2014، هذا الأمر أصبح الآن معضلة تواجه مئات الأسر في القضاء وأطرافه، فيما يسعى رؤساء القبائل ووجهاء المنطقة لإيجاد حل لها عن طريق إطلاق مبادرة.
تقول آمنة التي تبلغ الآن 26 عاماً: "رغم أنني لم أقتنع بذلك الخيار، لكنني وافقت في الأخير مرغمة"، هذا الزواج الإجباري جعل آمنة تعيش مع ذلك المسلح ثلاثة أشهر فقط، "فررتُ منه وتوجهت سراً إلى مخيمات الدبس بكركوك ومن هناك نقلوني إلى أحد مخيمات الموصل".
بعد أيام من بقائها في الموصل، تبين أنها حامل في الشهر الأول، بعدها غادرت المخيم صوب كركوك واستقرت هناك، بعد ولادة طفلها احتفظت به معها واعتنت به. هذا الأمر أصبح الآن مشكلة تواجه آمنة، لأن ابنها الذي يبلغ الآن من العمر تسعة أعوام لا يملك أي مستمسكات رسميّة.
"أخذته للتسجيل في المدرسة لكنهم لم يقبلوه، وقالوا يجب أن تكون لديه بطاقة وطنية". آمنة التي رجعت إلى الحويجة (55 كلم جنوب غربي كركوك) تبحث الآن عن حل لمشكلة ابنها.
أخذته للتسجيل في المدرسة لكنهم لم يقبلوه، وقالوا يجب أن تكون لديه بطاقة وطنية
آمنة مثال لمئات العوائل الأخرى في قضاء الحويجة، حيث إن الأطفال الذين ولدوا نتيجة الزواج القسري لمقاتلي داعش بمئات النساء في غرب العراق وشماله الغربي لا يملكون الآن بطاقات هوية عراقية وبات مصيرهم معلقاً. في الوقت الحاضر تمثل مبادرة أطلقها رؤساء قبائل ووجهاء كركوك والحويجة أملاً يلوح في الأفق.
تهدف المبادرة التي يقودها زعيم قبيلة الحديديين، إسماعيل الحديدي، إلى معالجة المشاكل الاجتماعية والقانونية للمئات من أطفال الحويجة الذين ولدوا بزيجات نساء المنطقة بمسلحي تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش). وتحظى المبادرة بدعم رؤساء قبائل ووجهاء الحويجة في إطار تشكيل "لجنة مصالحة" للتحدي الذي يعاني منه القضاء.
تتألف المبادرة من عدة مراحل، منها تهيئة الأجواء لعودة النازحين، وتقديم مساعدات مادية وتأمين السكن للعوائل التي لا تزال مقيمة في كركوك ولم تعد للحويجة. كما تسعى إلى إقناع أهالي الحويجة بعودة عوائل مسلحي داعش، ومن ثم التنسيق لاحتضان هؤلاء الأطفال من قبل ذويهم.
"بعد جهود حثيثة شكّلنا لجنة من رؤساء العشائر والشخصيات الاجتماعية، بعدها نسقنا مع المسؤولين الأمنيين والإداريين، ثم شكلنا لجنتين مع المنظمات الدولية والمحلية"، يقول إسماعيل الحديدي.
بعد جهود حثيثة شكّلنا لجنة من رؤساء العشائر والشخصيات الاجتماعية
إسماعيل الحديدي، نائب أسبق في محافظ كركوك ومستشار سابق لرئيس الجمهورية العراقية، في السبعينات من العمر وهو متزوج وأب لستة أطفال. الحديديون من القبائل الكبيرة والمؤثرة في جنوب وغرب كركوك، بالأخص في قضاء الحويجة ونواحي العباسي والرياض، وينتشر أفرادها في كل من كركوك، صلاح الدين وبغداد.
منتصف 2014، سيطر تنظيم داعش بـ1500 مسلح على قضاء الحويجة ونواحي الزاب، الرياض، العباسي ومئة قرية في كركوك، قبل أن تتم استعادة الحويجة من قبل القوات العراقية في أعقاب عملية عسكرية مشتركة للقوات الأمنية في 5 تشرين الأول 2017.
إبان سيطرة داعش، نزح (178) ألف شخص إلى كركوك ومدن إقليم كوردستان العراق، وفقاً لإحصائية لوزارة الهجرة والمهجرين.
قائمّقام قضاء الحويجة، سعدون أحمد، أشار بدوره إلى أن 99 بالمائة من نازحي الحويجة عادوا إلى مناطقهم، واحد بالمائة فقط لم يعودوا حتى الآن بعدد إجمالي يزيد عن 200 عائلة.
أعضاء لجنة المصالحة يقولون إن مسلحي داعش عقدوا قرانهم قسراً على المئات من نساء وفتيات قضاء الحويجة.
يقع قضاء الحویجة جنوب غربي کرکوك، ویبعد حوالي (60) کلم عن مرکز مدينة كركوك، ويبلغ عدد سکانه حوالي (600) ألف نسمة، و منذ عام 2017 يواجه القضاء الكثير من التحديات المتعلقة بإعادة الاعمار و عودة النازحین و وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
الزواج القسري لمسلحي داعش نتجت عنه تحديات تهدف اللجنة للمساهمة في معالجتها عن طريق عدة منافذ.
يقول قائمّقام القضاء، وهو أيضاً عضو في اللجنة، إنهم يعانون منذ 2017 من مشكلة هؤلاء الأطفال الذين لم يتم تسجيلهم ولا يملكون بطاقات هوية.
"يوجد حالياً (100) طفل في الحويجة ليست لديهم مستمسكات ثبوتية، أصدرنا من قبل البطاقة الوطنية لـ(180) طفل، وقسم كبير من العوائل باتت تمتلك بطاقات هوية"، حسبما قال سعدون أحمد.
يوجد حالياً (100) طفل في الحويجة ليست لديهم مستمسكات ثبوتية
ويقول إسماعيل الحديدي إن اللجنة تسعى، في حال عدم حضور والد الطفل، لمعالجة مشكلة الطفل وتأمل بأن يستأنف حياته الاعتيادية.
لا توجد إحصائية دقيقة بعدد هؤلاء الأطفال، لأن الزيجات لم تسجل رسمياً في المحاكم، حسبما يؤكد أعضاء اللجنة.
ويقول إسماعيل الحديدي إن هؤلاء الأطفال لم يتم تسجيلهم في دائرة الأحوال المدنية وليس لديهم شهادات ميلاد لأن الزيجات تمت خارج المحكمة ولم تكن هناك وثائق تخص عقود الزواج.
مسؤولة جمعية الأمل للدفاع عن حقوق الإنسان والنساء والأطفال في كركوك، سرود أحمد، تشير إلى أن هؤلاء النساء "هن ضحايا داعش لأنهن أجبرن على الزواج مع مسلحي داعش، وهذا الأمر يشكل الآن سبباً لازدياد المشاكل الاجتماعية".
"اجتمعنا عدة مرات مع رؤساء القبائل والوجهاء لحل المشكلة لأن هؤلاء النساء والأطفال لا يتمتعن بأي من حقوق المواطنة"، بحسب سرود.
أطفال عائشة عادوا للمدرسة
في صبيحة أحد الأيام من عام 2014، داهم ثلاثة مسلحين منزلها وسألوا والدها أيا من بناتك ستهدي للمسلحين، "على الفور قلت أنا التي ستتزوج... شقيقاتي كنّ صغيرات في العمر لذا ضحيت بنفسي".
تقول عائشة خلف (44 سنة) إن المسلحين جاؤوا إلى منزل والدها وقالوا: "لديك ثلاث بنات يجب أن تعطي إحداهن لأحد مسلحينا، اضطر والدي للرضوخ لطلبهم لأنهم هددوا بقتله".
تقول عائشة، "تزوجت بأحد المسلحين؛ عشت معه عامين ونصف ورزقت منه ببنتين"، قضت عائشة حياةً بائسة، حتى أن المسلح الذي تزوجته لم يكن ينفق على أطفاله.
عائشة، التي كانت الزوجة الأولى لمسلح التنظيم لم تكن لديها أي معلومات عن زوجها ولا تعلم أين قُتل وماذا حل به.
بعد عودة الحویجة لسیطرة الحکومة وإعادة فتح الدوائر الحکومیة، اجتمع والدها مع رؤساء العشائر والمنظمات الذين شجعوه على تسجيل طفلتيها باسمه.
تقول عائشة إن والدها كان يقصد ليلاً مضيف عشيرته لحل مشكلتنا ومشكلة العوائل الأخرى أيضاً، وبعد سنوات من تقديم المعاملات والمراجعات كان والدي مُضطراً لتسجيل طفلتيَّ الاثنتين على اسمه.
لجنة الحديدي عقدت عشرات الاجتماعات مع عوائل وأهالي المنطقة وشجعت الناس على تسجيل أبنائهم، وهذا الأمر كان له تأثير على الأشخاص الذين يعانون من مشاكل مشابهة.
بفضل جهود اللجنة، بات لابنتي الاثنتين مستمسكات ثبوتية رسمية وقد التحقن بالمدرسة.
اللجنة تواصل مساعيها؛ حتى الآن عقدت (21) اجتماعاً رسمياً إلى جانب العشرات من الاجتماعات الجانبية. ويقول إسماعيل الحديدي، "نجتمع مع عوائل القضاء بشكل يومي لتحقيق المصالحة الاجتماعية".
ويضيف، "مهمتنا كانت العمل على تطمين هؤلاء الأشخاص وعودة عوائل مسلحي داعش، وقد خطينا خطوات كبيرة في هذا الصدد".
لا يزال ابن آمنة بانتظار الحصول على هوية
الطريق لا زال طويلاً، هناك العديد من الأطفال الذين لم تُحل مشاكلهم، بينهم مشكلة ابن آمنة ذو الـ9 سنوات.
قدمت امنة معاملات الحصول على البطاقة الوطنية لابنها عدة مرات، لكن الجهات المختصة تشترط حضور الاب، "لا أعرف فيما إن كان قد قتل او أنه في السجن أم أنه هرب، لا أعرف ما حلّ به"، حسبما تؤكد آمنة. یبدو أن هناك کثیرین مثل آمنة، ممن لم یتواصلوا حتی الآن مع اللجنة ويمكنهم الاستفادة من المبادرة.
"بعد استعادة الحويجة وعودة النازحين من مخيم (الهول) في سوريا، تم تسليمهم لإدارة كركوك وتعاوننا من أجل استقبالهم وتأمين السكن لهم في كركوك، بالأخص في الأحياء البعيدة عن الحويجة"، بحسب إسماعيل الحديدي.
التهديد الذي يواجه حياة العائدين يتعلق بسلوك مقاتلي داعش عندما كانت الحويجة تحت سيطرتهم. ويقول الحديدي إن "الكثيرين كانوا يعارضون عودة تلك العوائل".
حماية المواطنين واجب الدولة
رغم أن قسماً من المشاكل حُلّت بالصلح العشائري بين أهالي الحويجة وعوائل المسلحين، هناك الكثير من المشاكل التي لا زالت معلقة.
لا تزال قضية الحصول على الوثائق الرسمية تشكل عائقاً كبيراً في العراق، لا سيما بالنسبة للعائلات النازحة بسبب النزاعات. البطاقة الوطنية ليست مجرد وثيقة رسمية، بل هي مفتاح الوصول إلى الحقوق الأساسية، بما في ذلك الخدمات العامة الضرورية كالرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي.
فيما يتعلق بقضية الحلول القانونية، استعرض الخبير القانوني، بيرو ياسين، أربع نقاط يقع تنفيذها على عاتق الدولة بموجب الدستور. أولاً، من واجب الحكومة حسم الوضع المدني لهذه العوائل بقرارات وقوانين خاصة، على غرار الخطوات التي اتُخذت للمكونات الأخرى.
النقطة الثانية هي حق الطفل في الحصول على الهوية، ينبغي ألا يدفع الطفل ثمن خطيئة والده. حرمان الأطفال من الوثائق الرسمية انتهاك لقانون الأحوال الشخصية والاتفاقيات الدولية، لذا يجب تسهيل إجراءات إثبات النسب (DNA).
النقطة الثالثة هي أنه استناداً إلى مبدأ "العقوبة هي للمجرم"، في القانون "العقوبة لمرتكب الجريمة"، يجب ألا تخلط الحقوق المدنية للنساء والأطفال مع الملفات الأمنية؛ إلا إذا كانوا قد شاركوا بشكل مباشر في الجريمة.
النقطة الرابعة والأخيرة تتعلق بدور القانون في المبادرات، مبادرات العشائر والمجاميع، كمبادرة الحويجة، يجب أن تستند إلى القانون، لا أن تكون بديلاً له. المحاكم فقط هي التي يمكنها إضفاء الشرعية على الزيجات والحقوق المالية لهذه العوائل.
من الناحية القانونية، يمكن معالجة مشكلة هؤلاء الأطفال بالاستناد إلى قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 في العراق وقانون البطاقة الوطنية العراقية رقم 3 لسنة 2016، من ضمنها طلب إثبات النسب (إثبات الأبوّة)، معالجة وضع "الأب المفقود"، خيار "مجهول النسب" (كحل أخير).
تتألف المبادرة القبلية من لجنتين، لجنة خاصة بمركز مدينة كركوك والأخرى لأطراف المدينة؛ وتضم اللجنة رؤساء قبائل، مسؤولين إداريين، قائمّقام مركز كركوك، قائمّقام قضاء الحويجة ومسؤولين أمنيين مؤلفين من أفراد الشرطة المحلية والقوات الأمنية. يقول الحديدي، "عقدنا حتى الآن أكثر من 21 اجتماعاً، وهدفنا هو إعادة هؤلاء النساء والأطفال إلى مناطقهم".
كل هذه الخطوات تهدف إلى ضمان عودة المستفيدين إلى مناطقهم الأصلية وحصولهم على البطاقة الوطنية كي لا يُحرموا من حقهم في التعليم والرعاية الطبية والسفر والتعيينات، والتي تعتبر من أبسط حقوق الإنسان.
فيما يتعلق بالتعاون الحكومي، يقول قائمّقام قضاء الحويجة: "لا نواجه أي مشكلة لتسجيل الأطفال الذين لا يملكون وثائق رسمية، فالحكومة والمحكمة تتعاونان معنا بشكل كبير". وأضاف، "كل من لم يتورط في إراقة دماء الآخرين، يمكنه أن يعود ويعيش حياة طبيعية في الحويجة كغيره من المواطنين".
مبادرة رؤساء العشائر لحل أزمة إنسانية في قضاء الحويجة من الخطوات الملموسة نحو معالجة أحد المشاكل التي خلفها تنظيم داعش، مع ذلك لا زال هناك الكثير من العمل للتعامل مع إرث العنف الذي تركه داعش.
ويرى قائمّقام الحويجة بأن قصة حرمان هؤلاء الأطفال من الهوية يجب ألا تطول، لأنها ستؤدي إلى مشاكل أخرى طويلة الأمد، "حقوق الأكفال محفوظة بموجب القانون ويجب ضمان حصولهم على الوثائق الرسمية وتسهيل التحاقهم بالمدارس".
عائشة خلف وآمنة أحمد أسماء مستعارة