بعد مرور قرن..
كورونا يُجهِز على أقدم حِرَف الكاكائيين

سفين جمال كوزجي (65 سنة) اضطر لإقفال معمله بسبب تداعيات فيروس كورونا تصوير: كركوك ناو

محمد ألماس

 

جائحة كورونا أجبرت (سفين جمال كوزجي)، وهو من الأقلية الكاكائية، على التخلي عن الحرفة التي اشتهر بها أجداده. الى جانب الخسائر في الأرواح، فقد بات فيروس كورونا يمثل كابوساً للمشاريع الصغيرة في العراق وتسبب في فقدان المئات لمصادر عيشهم.

 "أدعو الله أن يؤمِّن رزق أطفالي، فقدت عملي بسبب كورونا... رغم كِبَر سني، أنا الآن مضطر لأن أشتغل كعامل بناء"، يقول سفين كوزجي الذي اضطر لإقفال معمل الفخار الذي لم يتوقف يوماً على مدار أكثر من قرن، واصبح بذلك أحد ضحايا التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا التي أجهزت على حرفة أجداده القديمة وعلى مصدر عيش عائلته.

سفين جمال زين العابدين الكاكائي (65 سنة)، المشهور بـ(جمال كوزجي) ينتمي لإحدى أُسَر داقوق العريقة التي جعلت من حرفة صناعة الفخار والنحت مصدر عيشها، غير أنه اضطر للتخلي عنها بداية شهر حزيران الحالي.

"حظر التجوال المفروض داخل القضاء تسبب في اقفال معملي لأكثر من شهر، في أواخر شهر ايار استأنفنا اعمالنا لكننا فقدنا مبيعاتنا"، ويضيف سفين قائلاً "الشُراة أغلبهم يقصدوننا من وسط وجنوب العراق."

حظر التجوال المفروض داخل القضاء تسبب في اقفال معملي لأكثر من شهر في أواخر شهر ايار استأنفنا اعمالنا لكننا فقدنا مبيعاتنا

وكانت الحكومة العراقية قد فرضت حظر التجوال والتنقل بين المحافظات منذ أواسط شهر آذار الماضي للحد من تفشي وباء كورونا.

المعمل الذي يديره سفين يقع في أطراف قضاء داقوق على الطريق الذي يربط كركوك ببغداد، وأغلب من كانوا يقصدونه هم المسافرون الذين يتنقلون بين مدن الشمال ووسط وجنوب العراق.

cup

زير الماء هي احدى المنتجات الفخارية التي تُصنع في معمل سفين كوزجي  تصوير: محمد ألماس

سفين يُعَدّ من الحرفيين المَهَرة، دأبت اسرته خلال أكثر من قرن على صنع الجِرار الفخارية والنحت وأفراد عائلته ينتمون لإحدى الأسر المعروفة في داقوق (44 كيلومتر جنوب كركوك).

حرفة صناعة الفخار تناقلوها جيلاً بعد جيل، لكنهم الآن باتوا يخافون ضياعها بسب استمرار حظر التجوال.

عائلة سفين متألفة من ستة افراد جميعهم يزاولون هذه الحرفة، قبل أكثر من عامين فارق والده الحياة داخل معمل الفخار.

"هذه الحرفة كانت مصدر عيش ابي وجدي ومن قبلهم، فوق كل ذلك نعتبرها حرفة مقدسة وعزيزة، لأن هذه الحرفة استمرت بناءاً على وصية جدنا الأكبر الذي أكد بأن هذا المعمل لا يجب أن يُقفَل أبداً."

هذه الحرفة استمرت بناءاً على وصية جدنا الأكبر الذي أكد بأن هذا المعمل لا يجب أن يُقفَل أبداً

في الأسبوع الماضي سُجِّلَت أول حالة اصابة بفيروس كورونا في قضاء داقوق، مما دفع الأجهزة الأمنية وادارة القضاء على تشديد الاجراءات، فأغلقوا بعض الأسواق، منعوا التنقل من والى القضاء وقيدوا حركة المواطنين داخل القضاء.

حول ذلك يقول سفين "هذه الاجراءات أثرت من البداية علينا، وأجبرتنا على اقفال معمل الفخار لأول مرة، حيث لم يعد بمقدورنا بيع الجار وزير الماء التي نصنعها."

froka

صورة لـ(سفين كوزجي) أمام معمله قبل أن يتم اقفاله   تصوير: كركوك ناو

منذ ذلك اليوم اضطر سفين للعمل كعامل بناء لتأمين لقمة العيش لعائلته، رغم أن سنه لم يعد يسمح له بمزاولة تلك الأعمال المرهقة لكنه سعيد ان حصل على فرصة عمل.

  "اليوم الذي اقفلنا فيه معملنا بكيت كثيراً، صرخت، قلت يا إلهي ارأف بي وبأبنائي."

للكاكائيين جذور عميقة في قضاء داقوق، أبناء هذه الأقلية منتشرون داخل القضاء اضافةً الى 15 قرية ضمن حدود داقوق، وهم من الأقليات التي تأثرت معيشتهم كثيراً بتداعيات فيروس كورونا.

سفين كوزجي الذي كان بفضل حرفته يشارك في العديد من المعارض المتنوعة داخل وخارج العراق أصبح عاملاً بسيطاً.

حول مشاركاته يقول سفين كوزجي "آخر مشاركة لي مع والدي كانت في معرض خاص أقيم في تركيا في عام 2013 وحصلنا فيه على المرتبة الأولى."

image9

بعض المنتجات الفخارية لـ(سفين كوزجي)   تصوير: كركوك ناو

قبل عدة سنوات، نحت سفين ووالده هيكل طائرة مدنية من الجص والحجر يبلغ طولها 18 مترا ووضعوها أمام معمل الفخار، هذه الطائرة أصبحت مثار اعجاب المارة وساهمت في زيادة الاقبال على منتجاتهم.

حسين درويش، وهومن الأصدقاء المقربين لـ(جمال كوزجي) –والد سفين- أشار الى أن جمال لم يكن ينظر لحرفة صناعة الجرار الفخارية على أنها حرفة عادية، بل كان يعشق تلك الحرفة، كم أنه أبدع في أعمال النحت "وكان غالباً ما يتحدث عن سعيه لخدمة الناس عن طريق أعماله."

 المعضلة التي تواجه الكثير من العوائل الآن هي أن الحكومة رغم فرضها حظر التجوال على المواطنين إلاّ أنها لم تقدم لهم يد العون، لذا فهم يحملون مسؤوليتين على عاتقهم، تأمين المعيشة ووقاية أنفسهم.

ويأتي ذلك في ظل ازدياد حالات الاصابة خلال الأسبوعين الماضيين، حيث وصل عدد المصابين بالفيروس الى 14 ألف و268 شخص، فيما تسبب الوباء بوفاة 392 شخصاً.

سفين كوزجي يتابع يومياً مع أبنائه الأخبار بشغف علّهم يسمعون خبراً ساراً ويعيدوا فتح معمل الفخار.

"نهاية كورونا، بالنسبة لنا، هي بمثابة افتتاح باب الرزق وتنفيذ وصية أجدادنا لإدامة هذه الحرفة"، يقول سفين.

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT