كورونا، داعش والفراغ الأمني..
ثلاثة أسباب وقفت وراء الافلاس المتكرر لمزارعٍ كاكائي

جليل ابراهيم (50 سنة)، مزارع كاكائي تضررت محاصيله بسبب تداعيات جائحة كورونا   تصوير: محمد ألماس

محمد ألماس

 

جليل ابراهيم، مزارع من الأقلية الكاكائية، أعلن افلاسه ثلاث مرات خلال ستة أعوام، وذلك جراء ثلاثة مستجدات أمنية، سياسية وصحية في العراق طرأت خلال تلك الفترة، "كلما طرأ أمر جديد، فضريبته ندفعها نحن الكاكائيون"، كما يقول جليل.

ظهور تنظيم الدولة (داعش) في عام 2014، نشوء فراغ أمني في القرى التي يقطنها الكاكائيون في أعقاب الاستفتاء في 2017، وتفشي جائحة كورونا مؤخراً، هي ثلاثة أحداث بسببها أصبح جليل وغيره من المزارعين في خطر مصدر العيش الذي تعتمد عليه اسرته.

جليل، وهو في الخمسينات من عمره، تعرض جزء من محاصيله الزراعية هذا العام الى الجفاف بسبب اجراءات حظر التجوال المفروضة لمواجهة انتشار كورونا، والتي منعته من الوصول بسهولة الى حقله.

"أشعر باليأس من قدرتي على تأمين مصاريفنا خلال هذا العام، وباء كورونا عرّضني للإفلاس، متى ما استجد أمر في العراق فنحن الكاكائيون من ندفع ضريبته"، هكذا تحدث جليل وهو منهمك في العمل في حقله.

الأمر كان مغايراً فيما مضى بالنسبة لهذا المزارع الكاكائي، بالتحديد خلال هذا الشهر حين كان يجمع فيه أرباح محاصيله ويبدأ بالتخطيط للموسم التالي.

 

 تعرض مزارعين لحروق ونقلهما الى المستشفى بعد احتراق حاصدتيهما والذي تسبب أيضاً في نشوب حرائق في ثلاثة قرى

بداية المصائب

جليل ابراهيم الذي هو والد لأربعة أطفال، ظل حتى منتصف عام 2014 يزاول الزراعة وتربية المواشي في ظروف أمنية مستقرة في قريته علي سراي الواقعة ضمن حدود قضاء داقوق جنوبي كركوك.

"كنا نقوم بزراعة المحاصيل مثل الطماطم، الخيار، الباذنجان وانواع الخضار والحبوب دونما مشاكل، لم نكن نواجه مشاكل في التنقل، محاصيلنا كانت تُسَوَّقن كنا سعداء ولا نعرف التعب"، وأضاف جليل بأنه تمكن لغاية 2014 من شراء منزل ومركبة وكانت ظروفه الاقتصادية جيدة جداً، لكن الامور انقلبت بعد ظهور داعش.

أدت هجمات مسلحي داعش في منتصف 2014 الى اخلاء معظم قرى الكاكائيين في داقوق من ساكنيها، جليل كان أحد اولئك المتضررين ممن اضطروا للنزوح من قراهم.

"وقع 300 دونم من أراضينا الزراعية في قبضة داعش، ووقع مصدر عيشنا جراء ذلك في خطر، نزح معظمنا من القرية"، كانت تلك المرة الأولى التي تعرض خلالها جليل للإفلاس، نتيجة لذلك انتقل مع عائلته الى مركز قضاء داقوق ليكسب قوته هناك.

في عام 2016 تمركزت وحدات من قوات البيشمركة التابعة لحكومة اقليم كوردستان في المناطق المتنازع عليها، من ضمنها جنوب داقوق. وتمت استعادة قرى الكاكائيين الواقعة في المنطقة من قبضة تنظيم داعش، الأمر الذي مهد لعودة عدد كبير من أبناء الأقلية الكاكائية الى قراهم.

استانف جليل ابراهيم الزراعة حيث كان يتوجه يومياً من داقوق الى حقله قبل أن يعود في المساء.

 "داعش كان لا يزال  يشكل تهديداً، أبقيت عائلتي في مركز داقوق وكنت أتنقل لوحدي"، وتابع جليل قائلاُ "بدأت بزراعة المحاصيل مرة أخرى، كان حصادي وفيراً وكنت ابيع محاصيلي في الأسواق، غير أن ذلك ايضاً لم يدم كثيراً، في عام 2018 اضطررت لإخلاء قريتي مرة أخرى."

kakaey

كركوك/2017/ قرية علي سراي الكاكائية تبعد عشرة كيلومترات جنوب شرقي قضاء داقوق   تصوير: كركوك ناو 

في أيلول 2017، أمر رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي بعودة القوات العراقية الى كافة المناطق المتنازع عليها، وانسحبت على اثرها قوات البيشمركة من داقوق ومدينة كركوك، مخلفة فراغاً أمنيا في حدود المناطق التي تقع ضمنها قرى الكاكائيين.

الفراغ الأمني مهد لسلسلة هجمات طالت تلك القرى، بحيث أن من مجموع 15 قرية يقطنها الكاكائيون في داقوق، أُخليت خمسة قرى بالكامل، فيما تتجه ثلاثة أُخَر نحو الاخلاء التام بسبب المخاطر المحدقة بهم.

واستذكر جليل ما واجهه في 2018 في الفترة التي سبقت بدء موسم الحصاد مشيراً الى انه مسلحين مجهولين أضرموا النيران في 130 دونم من أرضه الزراعية، وبعدها بأيام فجروا منزله وبئره وحوضه المخصص لتربية الأسماك، كما أنه تعرض للخطف في احدى الليالي أثناء تواجده في حقله لكنه نجا من تلك المواجهة رغم اصابته بجروح.

تلك كانت المرة الثانية التي يتعرض فيها جليل ابراهيم للإفلاس بعد اضطراره للنزوح من قريته.

هذه المرة كورونا

جليل ابراهيم الذي يعتبر الزراعة وتربية المواشي السبيل الوحيد الذي يمكنه من خلاله تأمين لقمة العيش لعائلته، قرر بداية هذا العام استئجار ارض زراعية في منطقة الطالباني القريبة من داقوق وبدأ العمل فيها.

 "الوضع الأمني في تلك المنطقة كان أفضل نسبياً، سخّرت كل امكانياتي المادية والجسدية وصرفت الكثير من الأموال، لكنني واجهت مصيبة أخرى تمثلت في كورونا"، ويقول جليل "بسب اجراءات حظر التجوال كنت اصل بصعوبة بالغة الى الحقل، تعرض جزء كبير من محاصيلي للجفاف، لأنني لم أكن قادراً على اروائها في الوقت المحدد."

jalil.kakaey

جليل ابراهيم (50 سنة)، مزارع كاكائي يقول بأنه كان يجني ما بين 40 الى 50 مليون دينار من بيع محاصيله، غير أنه لم يحصل على دينار واحد هذا العام بسبب كورونا   تصوير: محمد ألماس 

واضاف "من جهة أخرى لم أتمكن من زراعة بعض من المحاصيل في الوقت المناسب، لذا تأخر نمو ونضج تلك المحاصيل رغم تجاوز المدة المحددة لها."

بعد داعش وتداعيات الفراغ الأمني تسبب كورونا  هذه المرة بإفلاس جليل ابراهيم. في الحقيقة هذه العوامل الثلاثة شكلت معوقات كبيرة واجهت جميع كاكائيي داقوق.

جليل ترك أرضه الزراعية وفقد منزله، حوض تربية السماك وبئره، وهو الآن بانتظار ما قد يجنيه من بعض المحاصيل الزراعية مثل البامياء، البطيخ والباذنجان، رغم أن لا أمل يلوح في الأفق حول قدرته على تسويق تلك المحاصيل.

قبل كورونا، كان هذا المزارع الكاكائي يجني سنوياً ما بين 40 الى 50 مليون دينار، لكنه الآن يقول "هذا العام لم أجنِ ديناراً واحداً لحد الآن."

المصائب التي تعرض لها كاكائيو داقوق والمناطق الأخرى اثارت حفيظة هذه الأقلية الدينية، فيما فشلت الجهود الرامية الى حمايتهم وضمان بقائهم في ديارهم.

 

sarok

 كركوك/2017/ اجتماع رئيس الجمهورية العراقي برهم صالح مع وفد من داقوق لبحث الأوضاع الأمنية في القضاء    تصوير: اعلام رئاسة الجمهورية 

مجمل ما تعرض له جليل ابراهيم يخفي ورائه مشكلة أكبر لازمت الكاكائيين في قضاء داقوق على مدار عقد من السنين وهي الخوف من تعرض جميع قرى الكاكائيين للإخلاء التام بسبب المخاطر الأمنية.

جائحة كورونا كانت لها تبعات اقتصادية على الكاكائيين، من ضمنهم جليل ابراهيم، اضافة الى آثارها النفسية.

يقول جليل "كلما وضعت رأسي على سريري، كنت أتخيل محاصيلي وهي تذبل امام ناظريّ بسبب العطش... كورونا أذبل حياتي ايضاً، هذه كانت كارثة لي ولعائلتي."

 

 

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT