مجتمع "الميم" يشعرون بالخطر في العراق: القانون يُقيد حريتنا ويؤزم أوضاعنا

تصوير:  Robert V. Ruggiero ، الصورة نشرت على موقع unsplash

كركوك ناو

"أشعر بالوحدة والإحباط، أشعر بالخوف وأعيش في قلق دائم"، هكذا عبرت (شيدا) المنتمية لمجتمع الميم عما بداخلها بعد أن اقر البرلمان العراقي قانون مكافحة البغاء والمثلية الجنسية الذي يتضمن عقوبة السجن لأفراد مجتمع الميم.

"أظن انه لم يبق سبيل لبقائي في هذا المجتمع، لا أستطيع أن أصبح جزءاً منه"، بحسب  شيدا (25 سنة) التي تقول إنها امرأة بجسدها لكنها ثنائية الميول.

ثنائيو الميول الجنسية في مجتمع الميم مصطلح يطلق على الأشخاص الذين لديهم ميول عاطفية وجنسية للذكور والإناث كذلك وهو ما يرفضه الجزء الأعظم من المجتمع على حد قول شيدا.

وتضيف شيدا، "كنت أخشى دائماً أن يعلم المحيطون بأمري، نعيش أوضاعاً صعبة في هذا المجتمع ونحن في قلق وخوف مستمر، والآن زاد هذا القانون من معاناتنا، حقاً لا نعرف ماذا نفعل".

في عراق الأنبياء والأئمة الصالحين لا يوجد مكان للمثليين

باران اسم مستعار لشخص مثلي الجنس –ملامحه ذكورية لكنه يشعر بأنه فتاة، يقول باران "نعم ظروفنا تعقدت، لم يتبق أمل لمساعدة أفراد مجتمع الميم".

في 27 نيسان، 2024، صادق البرلمان العراق على تعديل قانون رقم 8 لسنة 1988، التعديل يفرض مجموعة من العقوبات المشددة المتمثلة بالسجن والغرامة المالية على من يمارس البغاء أو المثلية الجنسية، من ضمنها عقوبة السجن لـ15 سنة.

"في عراق الأنبياء والأئمة الصالحين لا يوجد مكان للمثليين"، هذا ما قاله رئيس البرلمان العراقي محسن المندلاوي، بعد إقرار تعديل القانون، وشدد على "أهمية" القانون لحماية البنية القيمية للمجتمع العراقي. جلسة البرلمان حضرها 170 نائباً من مجموع 329.

زانو اسم مستعار لناشطة مدافعة عن حقوق أفراد مجتمع الميم في العراق عرّفت نفسها على أنها من "الجندر الثالثnon-binary "، وقالت لـ(كركوك ناو)، "كيف يمكن أن يُسجن الانسان فقط لأنه يصف نفسه وفق تعريفات جنسية وجندرية مختلفة، هل هذه التعريفات جريمة".

LGBT
صورة رسمها شخص مثليّ من بغداد يدعى "ليث" وعمره 27 سنة، يقول أنه شاهد مجموعة مسلحة حين اختطفت "حبيبه" من منزله وقتلوه بعد تعذيبه.   الصورة نشرت عام 2022 من قبل منظمة رصد حقوق الانسان

"التعديل ينقل العنف ضد مجتمع الميم الى مستوى أعلى، فضلاً عن أن المؤسسات أنفسها ستصبح بموجب القانون جزءاً من هذا العنف"، وتضيف زانو، "هذا القانون سيمنح الناس والجماعات المتطرفة ذريعة لارتكاب العنف ضدنا في وضح النهار".

زانو تنشط على صفحتها الخاصة بموقع الانستاكرام وتنشر الوعي حول مجتمع الميم وتدافع عن حقوقهم. تقول زانو بأنه بعد إقرار التعديل، "غيرت اسلوب حياتي وعلاقاتي وجعلتها مقيدة.. يجب على جميع أفراد مجتمع الميم أخذ الحيطة والحذر".

مشروع تعديل قانون مكافحة البغاء والمثلية الجنسية تم تقديمه لرئاسة البرلمان للمرة الأولى في تموز 2023 من قبل النائب المستقل رائد حمدان المالكي (شيعي)، وهو عضو في اللجنة القانونية النيابية.

رغم عقد القراءة الأولى لمشروع تعديل القانون، لكن في 10 أيلول 2023، تم سحب مقترح التعديل من قبل الرئيس السابق للبرلمان، محمد الحلبوسي.

يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 7 سنوات وبغرامة لا تقل عن 10 ملايين دينار ولا تزيد عن 15 مليون دينار كل من روج للبغاء أو الشذوذ الجنسي

سحب مشروع التعديل أثار احتجاج بعض الكتل البرلمانية، وسجل عدد من النواب شكوى ضد رئيس البرلمان العراقي في المحكمة الاتحادية، وفي 9 كانون الثاني 2024، اقرت المحكمة الاتحادية بعدم دستورية سحب مقترح التعديل وأعيد مرة أخرى الى البرلمان وتم إدراجه ضمن جدول الأعمال، لتتم المصادقة عليه.

عضو في اللجنة القانونية فضل عدم ذكر اسمه قال "كنا في مداولات مستمرة لتسعة اشهر، مقترح التعديل كان فيه تشديد كبير، لأنه تضمن عقوبة الإعدام. بعد جهود كبيرة تمكننا من حذف الفقرة المتعلقة بعقوبة الاعدام، ووضعنا حلول في إحدى الفقرات للأشخاص المولودين بعيوب جينية تخص الجنس".

"أرى أن إقرار التعديل كان رد فعل سياسي إزاء الغرب، وليس لحماية المجتمع كما يدعي المؤيدون له"، وأشار عضو اللجنة القانونية إلى " أنهم أرادوا أن يقولوا للغرب: نحن ضد كل هذه الأمور التي تهتمون بها في إطار الديمقراطية".

وأضاف، "يجب أن لا ننسى ايضاً أن موضوع الدين يطغى على المجتمع العربي، لذا يمكن التفكير في منظور ديني لحماية المجتمع".

دخول القانون حيز التنفيذ بانتظار نشره في جريدة الوقائع العراقية.

فرميسك جاف، معالجة نفسية، تقول أن التأثيرات النفسية لتعديل القانون على أفراد مجتمع الميم بدأت بالظهور.

فرميسك، التي تقدم العلاج لقسم من المراجعين من أفراد مجتمع الميم، قالت لـ(كركوك ناو)، "تحدثت مع ثلاثة من مجتمع الميم، جميعهم يقولون بأنهم يشعرون بالخوف والقلق والإحباط، أوضاعهم تتعقد يوماً بعد آخر ويتعرضون للتضييق والمعاداة".

بموجب تعديل القانون، يعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن 10 سنوات كل من استبقى شخص للبغاء أو الشذوذ الجنسي في محل ما بالخداع أو بالإكراه أو بالتهديد وكان عمر المجني عليه أكثر من 18 سنة، أما إذا كان عمر المجني عليه دون 18 سنة سيعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن 15 عاماً.

بموجب التعديل، يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 10 سنوات ولا تزيد عن 15 سنة كل من أقام علاقة شذوذ جنسي.

وجاء في التعديل، "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 7 سنوات وبغرامة لا تقل عن 10 ملايين دينار ولا تزيد عن 15 مليون دينار كل من روج للبغاء أو الشذوذ الجنسي بأي وسيلة كانت"، مع مصادرة الوسيلة المستخدمة للترويج.

كما نصت فقرة أخرى في التعديل على أن كل من ارتكب ممارسة مقصودة للتخنث أو الترويج له سيعاقب بالسجن مدة لا تقل عن سنة واحدة ولا تزيد عن ثلاث سنوات، أو بغرامة لا تقل عن 5 ملايين دينار ولا تزيد عن 10 ملايين.

التخنث مصطلح يطلق أيضاً على الشخص ثنائي الجنس (وجود الأعضاء التناسلية والصفات الذكرية والأنثوية في شخص واحد)، لكن القانون، بحسب المختصين، يشير الى الأشخاص الذين تبين بأنهم ذكور لكنهم يمارسون تصرفات أنثوية "عمداً".

تقول فرميسك جاف أنها سألت مراجعيها من مجتمع الميم بشأن التغيير الذي يحدثه تعديل القانون في حياتهم فأجابوا بأنهم فقدوا الأمل في الحياة والبقاء داخل المجتمع العراقي، لذا يفكرون في مغادرة العراق.

"موضوع مجتمع الميم من المواضيع المعقدة في العراق واقليم كوردستان، هناك خلط الى حد ما بين حب التجربة وحقيقة الوضع، على سبيل المثال هناك قضايا تتعلق برجل عمره 48 سنة يقول بأنه علم بميوله المثلية حين بلغ 46 عاماً، هذا الأمر ليس صحيحاً من الناحية النفسية، لأن هذه الحالة تندرج ضمن حب التجربة ولا ينتمي لمجتمع الميم"، وتضيف فرميسك، "الأشخاص الذين ينتمون لهذا المجتمع يشعرون بميولهم منذ سن المراهقة ويحسمون امورهم في سن معينة".

أفراد مجتمع الميم ممن تحدثوا لـ(كركوك ناو) جميعهم يرون أن الحل الوحيد هو مغادرة العراق للنجاة من الوضع الحالي.

لكن فرميسك تصر على ان مغادرة البلاد "ليست الحل، لأنه في حال غادروا العراق لن يكون من السهل عليهم بدء حياة جديدة، فكل واحد منهم يحمل هويته الخاصة، ليس من السهل تكوين هوية جديدة من البداية".

لا نريد أن تشفقوا علينا، فقط انظروا الينا كبشر واحترموا مشاعرنا، هذا يكفي

حسب القوانين المعمول بها، يدخل تعديل القانون حيز التنفيذ مباشرةً بعد نشره على جريدة الوقائع العراقية، لكن تنفيذه في اقليم كوردستان يتطلب المصادقة عليه من قبل برلمان الاقليم، ويأتي ذلك في الوقت الذي انتهى فيه عمر برلمان الاقليم ولا يستطيع الآن إصدار القوانين والقرارات.

د. خاموش عمر، خبير القوانين الدستورية، قال لـ(كركوك ناو) إ‘ن "التعديل ليس مركزياً، لأنه لم يصدر وفق المادة 110 من الدستور العراقي، هذه المادة حددت صلاحيات المركز، أي قانون يصدر في البرلمان العراقي ولا يندرج ضمن المادة 110 لا يمكن تنفيذه في محافظات اقليم كوردستان".

"في هذه الحالة يجب إيجاد منفذ قانوني، أي إحالة نفس الاجراءات القانونية المتعلقة بمشروع القانون الى برلمان كوردستان للتصويت عليه، ومن ثم يوقع عليه رئيس الاقليم وينشر في جريدة الوقائع لكي يدخل حيز التنفيذ. لتحقيق ذلك يجب انتظار الدورة السادسة من برلمان اقليم كوردستان"، بحسب خاموش عمر.

وسط كل ذلك اليأس والإحباط، تقول شيدا "لا نريد أن تشفقوا علينا، فقط انظروا الينا كبشر واحترموا مشاعرنا، هذا يكفي".

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT