في قرية تقع على ضفاف نهر "الوند"، يعمل خليل أشرف على ري أرض زراعية واسعة سُلِبت من آبائه وأجداده منذ 50 عاماً.
الأمل عاد الآن إلى خليل ومئات غيره من مزارعي خانقين في أن يعيد إليهم القانون ملكية أراضيهم بعقود زراعية، وذلك بعد نصف قرن من الانتظار. الخطوة الجديدة تواجه عقبات، فهي تتطلب حيازة عدد من الوثائق وإجراء معاملات مليئة بالإجراءات الروتينية الإدارية.
نصف قرن من الفراق
قصة نزوح مزارعي خانقين ومغادرتهم أراضيهم تعود لعام 1975 والأعوام التي تلت، كان خليل يبلغ الثامنة من العمر حين تم ترحيل عائلته ومئات العوائل الكوردية الأخرى في إطار سياسة التعريب.
"بعد ترحيلنا من أرضنا تم الاستيلاء على عليها ووزعت على الوافدين العرب"، حسبما قال خليل أشرف لـ(كركوك ناو). وهو من أهالي قرية (محمد شير بك) غربي بلدة خانقين بمحافظة ديالى.
في سبعينات القرن الماضي، بموجب قرار من المجلس الأعلى لقيادة الثورة ولجنة شؤون الشمال إبان فترة حكم حزب البعث، تم توزيع معظم الأراضي الزراعية العائدة للمزارعين الكورد في عدة مناطق بعقود زراعية على مزارعين عرب وفدوا من وسط وجنوب العراق، وذلك في إطار عملية تعريب وترحيل العوائل الكوردية والتركمانية.
وقال خليل، الذي يمثل عدداً من مزارعي خانقين، إنهم عادوا إلى أراضيهم منذ عام 2003، بينما غادر المزارعون العرب القرية.
بعد سقوط النظام السابق، عاد خليل وأهالي قريته، لكن المشكلة لم تنته. فرغم أن الأرض كانت فعلياً تحت تصرف المزارعين الكورد، إلا أنها على الورق كانت لا تزال مسجلة رسمياً باسم "الوافدين".
" حتى هذه اللحظة، الأراضي مسجلة باسم الوافدين العرب، لذا كنا محرومين طوال تلك السنين من الدعم الحكومي الذي يقدم للفلاحين"، بحسب خليل الذي أشار إلى عدم شمولهم باستلام الأجهزة والمعدات الزراعية ووقود المولدات ومنظومات الري المتطورة منذ عام 2003، ناهيك عن أن الحكومة لم تكن تشتري منهم محاصيلهم الزراعية لعدم امتلاكهم عقود رسمية.
النزاعات حول ملكية الأراضي الزراعية بقيت معلقة، وبعد أحداث 16 تشرين الأول 2017 وتداعيات استفتاء استقلال إقليم كوردستان، تجددت الصدامات حين عادت القوات الأمنية التابعة للحكومة الاتحادية الى كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها، في المقابل انسحبت القوات التابعة لحكومة الإقليم، وشهدت تلك الفترة محاولات بين حين وآخر من المزارعين العرب لاستعادة الأراضي الزراعية.
لم يتوقف خليل وغيره من المزارعين، بدعم من ممثلي مناطقهم في البرلمان العراقي، عن محاولاتهم من أجل استرداد حقوقهم، إلى أن أثمرت تلك المحاولات، "على الرغم من استيفاء جميع الإجراءات وصدور موافقة الجهات المعنية لإنجاز عقود الأرض الزراعية التي كانت تعود لآبائنا وأجدادنا، لا تزال هناك عقبات ومشاكل"، على حد قول خليل.
آلاف المستفيدين والكثير من الإجراءات
آلاف المزارعين مشمولون بقرار إعادة الأراضي وتجديد العقود الزراعية، لكن عدداً قليلاً منهم في خانقين يقبلون على إجراء المعاملات بسبب الشروط والإجراءات اللازمة.
عضو مجلس محافظة ديالى، أوس ابراهيم، قال لـ(كركوك ناو)، إن "نحو 3400 مزارع كوردي في مختلف مناطق ديالى تم ترحيلهم والاستيلاء على أراضيهم بسبب السياسات الشوفينية للنظام السابق، صار الآن بإمكانهم تجديد عقودهم واستعادة أراضي آبائهم وأجدادهم".
الإجراءات تأتي في إطار تنفيذ قانون إعادة الأراضي إلى أصحابها الذي أقره البرلمان العراقي في عام 2025 ويتعلق بإلغاء قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل برئاسة صدام حسين. بموجب القانون سيتم إعادة العقارات التي سُلِبت من أصحابها في كركوك وخانقين وغيرها من المناطق إلى اصحابها.
في مركز قضاء خانقين استولي على أراضي 670 مزارع بات الآن بإمكانهم تجديد عقودهم الزراعية. ويقول أوس أن هناك مشكلة تتمثل في عزوف المزارعين عن استكمال معاملات التجديد، "من مجموع 670 مزارع، ستة أو سبعة فقط قدموا على المعاملات الخاصة بتجديد العقود".
وفقاً لإحصائية حصل عليها موقع (كركوك ناو) من قسم الأراضي الزراعية في شعبة زراعة خانقين، أكثر من ألفي عقد زراعي تم إنجازه لمزارعين عرب في الفترة من 1976 حتى 2003. كما أن المساحة التي يشملها القانون بموجب العقود هي حوالي 30 ألف دونماً في خانقين والقرى المحيطة.
مسؤول الشعبة القانونية في ديوان قائمّقامية قضاء خانقين، يوسف ابراهيم، أوضح لـ(كركوك ناو) أن المزارعين الكورد يستطيعون تجديد عقودهم لكنهم يجب أن يكون بحوزتهم عدد من الوثائق الرسمية أثناء مراجعة شعبة زراعة خانقين، وأضاف، "بعد استصدار القسام الشرعي وتخويل أحد الوارثين ترفع المعاملة لاستحصال الموافقة الأمنية ومن ثم إجراءات الدوائر الثانوية، وأخيراً بعد تنفيذ الإجراءات تسجل العقود بأسمائهم".
قانون إعادة العقارات إلى أصحابها يشمل مئات الآلاف من الدونمات في محافظات كركوك، صلاح الدين وديالى.
القسام الشرعي... عقبة جديدة
الآن، وبعد صدور قرار إعادة عقود الأراضي لأصحابها الأصليين، تبرز عقبة قانونية جديدة تتمثل بطلب استصدار القسام الشرعي.
ويقول أوس ابراهيم، "يجب استصدار القسام الشرعي للوارثين وتعيين شخص وكيلاً للوارث لاستكمال الإجراءات القانونية لتجديد العقد".
يتوجب على الوارثين استصدار القسام الشرعي لأن الأراضي الزراعية مسجلة بأسماء آبائهم وأجدادهم.
يعتبر خليل أشرف هذا الطلب "شرطاً تعجيزياً"، لأنه يرى بأن غالبية الوارثين قد توفوا أو هاجروا خارج العراق، أو يتعذر إحضارهم بسبب بعض المشاكل الاجتماعية، "هذه الشروط تعيق استعادة أراضينا بشكل رسمي وإنجاز العقود،.. من المستحيل أن يتمكن الوارثون من استصدار القسام الشرعي".
ويقترح خليل أن "تعاد الأراضي في البداية لأصحابها الأصليين وهم آباؤنا وأجدادنا ومن ثم توزيعها كميراث على الوارثين".
إلى جانب إعادة أراضيهم يأمل خليل أن يتم تعويضهم لأنهم حُرموا من عائدات أراضيهم لمدة نصف قرن، والحكومة أدارت ظهرها لهم خلال تلك الفترة بسبب عدم حيازتهم للعقود الزراعية، لذا فإن الخسائر التي طالتهم أكبر مقارنة بمزارعي مناطق العراق الأخرى، "حتى الآن أقصد أرضي الزراعية بدراجة هوائية بسبب العوز والظلم الذي تعرضنا له، وضعنا المالي ليس جيداً"، لذا لا يستطيع شراء مركبة وتوفير المعدات والمستلزمات الزراعية.
ملكية الأراضي الزراعية من الملفات الشائكة في محافظة كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، بضمنها خانقين، والتي أسفرت عديد المرات عن توتر وصدامات بين المزارعين الكورد، التركمان والعرب. حسم النزاعات حول ملكية الأراضي الزراعية يعتبر جزءاً من المراحل الأولية لتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي والمؤلفة من ثلاث مراحل، والتي لم يُنفَّذ منها إلا القليل.
على الرغم من أن المسؤولين يزفون اكمال اجراءات استعادة الأراضي كبشرى للمزارعين، لكن بالنسبة لخليل، لا يمكنه التأكد من أنه استعاد كامل حقوقه ما لم تدخل وثيقة العقد الرسمية جيبه.