يروي الشاب "ريبين ستار" وهومن المكون الكاكائي، قصة اعتقاله الأسبوع الماضي في خانقين، حيث تعرض للتعذيب النفسي والجسدي "الشديد" في سجون "وكالة الاستخبارات العراقية" بمحافظة ديالى، بما في ذلك الضرب بالأسلاك، الركل، الحبس الانفرادي، وصعق العضو التناسلي بالكهرباء، مع إجباره على توقيع اعترافات.
هذه الرواية لم ترد على لسان الشاب الكاكائي ريبين ستار فقط، بل استندت إلى تقرير دائرة الطب العدلي بوزارة صحة إقليم كوردستان، وحصل موقع (كركوك ناو) على نسخة منه.
تعود قصة ريبين ستار، المعروف أيضاً باسم ريبين الحداد، إلى 26 آب الماضي، حين غيّر لافتة محله التي كانت مكتوبة باللغة العربية فقط، إلى اللغة الكوردية والعربية. وقال ريبين "حتى يعلم الجميع أن خانقين كوردية". وقد نشر ذلك في مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.
شهد قضاء خانقين أسبوعاً متوتراً أمنياً واحتجاجات وتهديدات باعتقال ناشطين، بعد أن أثارت شبكة روداو قضية كتابة لافتات محلات القضاء باللغة العربية، وكان ريبين الحداد أول من أطلق حملة لكتابة اللافتات باللغة الكوردية، وأول من دفع ثمن الموقف الذي اتخذه.
اعتقال ريبين
عمره (29 سنة) متزوج وأب لطفلين، آفيستا (3 أعوام) وآرين (11 شهراً)، يملك محل حدادة صغير في خانقين وهو ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، يقول ريبين إن "البرنامج التلفزيوني جعلني أبادر حتى لا تبقى اللافتات مكتوبة بالعربية فقط بل يجب أن تضاف إليها الكوردية كذلك".
بعد أربعة أيام، في صباح يوم 30 آب، تلقى ريبين ستار مكالمة هاتفية. طلب منه شخص يتحدث الكوردية زيارته لبعض أعمال الحدادة. لكن ريبين قال إنه مشغول بالعمل وسيتصل به مساءً.
"لم أكن أعرف ذلك الشخص، اتصلت به مساءً وانتظرته أمام مجمع راسان سيتي، في تلك الأثناء توقفت مركبة سوداء صغيرة بجانبي. ترجل منها عدد من الأشخاص وانهالوا عليّ بالضرب، ومزقوا قميصي وكبلوني".
وأضاف ريبين، "قالوا إنني معتقل بتهم تتعلق بالإرهاب، ثم وضعوني في مركبتهم". ويقول ريبين إنه اقتيد إلى قسم مكافحة الإرهاب الكائن وسط قضاء خانقين.
وفقًا لمتابعات (كركوك ناو)، تم اعتقال ريبين ستار بموجب المادة 200 من قانون العقوبات العراقي، الخاصة بنشر الكراهية، والترويج لأحد المذاهب التي ترمي الى تغيير مبادئ الدستور او النظم الاساسية للهيئة الاجتماعية وإثارة النعرات المذهبية والقومية.
من خانقين إلى بعقوبة... تعذيب وحبس انفرادي
داخل قسم الاستخبارات ومكافحة الإرهاب بخانقين والذي يضم عدة مؤسسات أمنية أخرى، جرت محادثة قصيرة مع ريبين وأخبروه بأن مدير استخبارات ديالى قد أرسل في طلبه للإجابة على بعض الأسئلة.
"عصّبوا عيني ونقلوني بمركبة إلى وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية في محافظة ديالى"، هذه المؤسسة تابعة لوزارة الداخلية ومكتبها في بعقوبة.
بعد وصوله إلى مكتب الوكالة، تم تصوير ريبين، ومن ثم بدأت عملية التعذيب دون أن يوجهوا له أي سؤال مسبقاً.
وقال ريبين، "ضربوني بالأسلاك تحت قدميّ لمدة ساعة تقريبًا، كنت أصرخ من الألم... سألتهم لماذا تضربونني، لكن لم يجبني أحد، وكانت عيناي لا تزالان معصوبتين".
بعد ساعة من التعذيب، بحسب ريبين، نقلوه مباشرةً إلى الحبس الانفرادي.
"مساحة السجن الانفرادي كانت متراً مربعاً واحداً... كانت مظلمة، ذات باب حديدي لا يدخلها أي ضوء، لم أكن أرى شيئاً رغم أن عيناي كانتا مفتوحتين"، وأضاف ريبين، "قالوا لي سنعود بعد ساعة لنربيك".
بعد ساعة، حسبا قال ريبين، عصبوا عينيه مجدداً واقتادوه إلى غرفة أخرى كان فيها خمسة او ستة أشخاص، "قالوا لي سنفتح العصابة لكن إذا نظرت إلينا سنريك الويل".
"وضعوا رأسي على الأرض، أهانوني، يداي كانت مقيدتين ولفوني ببطانية، مثل جثة"، ويقول ريبين أنه شعر بخوف كبير وشعر بأنهم سيقتلونه، بالأخص بعد أن قاموا بتعذيبه مرة أخرى.
بينا كانوا يعذبونه، سألهم ريبين "ما ذنبي؟"، فأجابوه "أنت من مسلحي داعش". لكن ريبين نفى تلك التهم وقال إن تنظيم داعش قتلوا ابن عم له. في هذه الأثناء، اتهموه بأنه هو من قتل ابن عمه.
بعد ذلك، عدّلوا التهم الموجهة إليه إلى تزويد إسرائيل بمعلومات عن مقرات الحشد الشعبي. نفى ريبين تلك التهم أيضاً، لكن ذلك زاد من حدة التعذيب.
ويقول ريبين ستار بأن الشخص الذي كان يقوم بتعذيبه طلب جهاز الصعق الكهربائي، "سمعت أزيز التيار الكهربائي، وشعرت برعب شديد. شعرت أن قلبي سيتوقف عن النبض... كانوا يصعقونني بالكهرباء تحت قدميّ، وكنت أصرخ".
التحقيق بشأن تغيير لوحة المحل
بعد عملية التعذيب، تغير مسار التحقيقات من توجيه التهم بالانتماء إلى داعش وقتل المواطنين إلى قضية إزالة لوحة المحل.
"لماذا غيرت لوحة محلك؟"، بدأوا بهذا السؤال، ويقول ريبين "عندها أدركت أن الأمر برمته واعتقالي كان يدور حول تغيير لافتة محلي".
وكان جواب ريبين "أنا حدّاد ولم أرتكب أي خطأ، فقط أضفت اللغة الكوردية للوحة وأبقيت على الكتابة العربية كما هي".
لكن المحققين قالوا له "أنت شجعت الناس"، كما سألوه حول من شجعه ودعمه من أجل زعزعة الوضع في خانقين.
بعد أن نفى ريبين كافة التهم، زادت حدة التعذيب. يقول ريبين، "صعقوا عضوي الذكري بالكهرباء وكرروا ذلك خمس إلى ست مرات".
استغرقت العملية حوالي ساعة، ثم وضعوا كيساً بلاستيكياً على رأس ريبين وهددوه بخلع أسنانه. وقال ريبين، "فجأة فقدت وعيي".
التقرير الطبي، الصادر في 3 أيلول، ويحمل توقيع الطبيب وختم مركز شرطة مستشفى رزكاري، اشار إلى أن " الفحوصات أظهرت وجود آثار حرق نقطية سوداء على العضو الذكري لريبين".
إلى جانب التعذيب الجسدي، عذبو ريبين نفسياً، ويقول "بعد أن عدت إلى وعيي، سألوني إن كان الله حقاً، فأجبتهم بنعم، فقالوا لي إذن ارجع إلى ربك".
يقول ريبين إن المحققين واصلوا الضغط عليه لكي "يقول الحقيقة"، لكنه قال، "ظللت أؤكد أن ما أقوله هي الحقيقة". عندها هددوني بخلع أسناني و"قربوا البلايس (الكماشة) من وجهي".
الاعتراف قسراً
خلال التعذيب، أُجبر ريبين ستار على الاعتراف بأن مسؤول مركز تنظيمات الاتحاد الوطني الكوردستاني في خانقين، كاروان يارويس، قد دفع له المال لتحريض الشارع.
يقول ريبين بأنه وافق حفاظاً على حياته، "فتحوا عينيّ، وأزالوا الأصفاد، ثم جعلوني أبصم على أقوالي".
بعد البصم، أعادوا تكبيل يديه وقاموا بتعذيبه مجدداً، يقول ريبين "نتيجة للتعذيب، انخلع ذراعاي، وصرخت وبكيت من شدة الألم".
وتحدث ريبين عن بعض الإهانات والمضايقات الأخرى التي تعرض لها، مثل وضع الحذاء على رأسه وتوجيه الشتائم العنصرية.
وفقًا للتقرير الطبي، كانت هناك آثار ضرب على ساقيه اليمنى واليسرى وأسفل قدميه. وجاء في التقرير أن " الأضرار نتجت عن شدة خارجية".
فضلاً عن اعترافات ريبين ستار وتقرير الطب العدلي، حاول موقع كركوك ناو الحصول على آراء أجهزة أمنية أخرى في محافظة ديالى، لكن دون نتيجة، باستثناء ما أكده مسؤولون أمنيون في خانقين بأن "ريبين اعتقل من قبل الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية".
وتحدث والد ريبين لوسائل الاعلام وقال "لقد تحريك قوة من بعقوبة إلى خانقين لاعتقال ابني، في حين أن جريمته الوحيدة هي أنه أضاف الكوردية إلى لوحة محله المكتوبة باللغة العربية".
خانقين التي تعرف بأنها واحة للتعايش، كون سكانها خليط من الكورد، العرب والتركمان، شهدت الاسبوع الماضي توترات سياسية وأمنية.
ويعود التوتر في خانقين إلى التصريحات الحادة التي أطلقتها الأحزاب السياسية ضد بعضها البعض في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، والمتعلقة بقضية التعريب والعقبات التي تعترض العمل الحزبي، وقضية المادة 140 من الدستور العراقي.
وكان مسؤول مركز تنظيمات خانقين للاتحاد الوطني الكوردستاني، كاروان يارويس قد شبّه في برنامج تلفزيوني بثته قناة روداو الفضائية الأوضاع في عدة مناطق بديالى بـ(جرف الصخر)، ما اثار احتجاجات عارمة من بعض الأطراف العربية في المنطقة.
ويقول ريبين ستار، الذي كان الضحية الرئيسية لتلك التوترات، إنه عانى من التعذيب الجسدي والنفسي خلال الليلتين التي قضاهما في الاعتقال.
كارزان حمدان، أحد منظمي تظاهرة خانقين، قال لـ(كركوك ناو)، "كان هناك سوء فهم بشأن مطالب أهالي خانقين.. إخواننا العرب فسروا المطالب بطريقة تظهر بأننا ضد العرب، ولكننا على العكس من ذلك، نحن فقط ضد تغيير التركيبة السكانية للمنطقة ونطالب بالحفاظ على هوية خانقين".
"نشعر بالاستياء إزاء المعلومات التي وردتنا والتي أفادت بصدور أوامر اعتقال بحق العشرات من ناشطي خانقين، الأمر الذي دفع عدداً منهم إلى مغادرة القضاء والتوجه إلى إقليم كوردستان".
يوم المحاكمة
يوم 31 آب، مثل ريبين أمام القاضي، لكن قبل التوجه إلى المحكمة حذروه في السجن من مغبة التراجع عن اعترافاته التي وقعها، بحسب ريبين، الذي قال ايضاً إنه كان يأمل أن يطلق القاضي سراحه.
حين دخل غرفة القاضي لم يسمحوا لأحد بمرافقته.
"فتحوا عينيّ أمام باب غرفة القاضي ودخلت كنت قلقاً، لكنني شعرت أن هذا القاضي سيكون منقذي وسأنجو من التعذيب"، وأشار ريبين إلى أنه قال للقاضي، "استمع إلي واعتبرني ابنك... هؤلاء أبرحوني ضرباً وأجبروني على التوقيع تحت التعذيب، مددت يدي إلى المصحف الموضوع أمام القاضي ورفعته وقلت إنهم كتبوا هذه الاعترافات بأنفسهم".
ولإثبات ما تعرض له للقاضي، طلب ريبين من السيدة التي كانت موجودة في غرفة القاضي أن تغادر لأخرج عضوي الذكري ويرى آثار الصعق الكهربائي، لكن القاضي وقال إن ذلك ليس ضرورياً.
"كنتُ أتنفس بصعوبة وأبكي أثناء حديثي، طلب مني القاضي الجلوس وأمر حارسه بإحضار الماء لي فشربت... قال لي اخرج، الأمر سهل"، وقال ريبين إنه كان يفكر فيما إن كانوا سيطلقون سراحه مباشرةً أم سيقتاد إلى السجن، حيث أخبروه "يجب ألا تغير اعترافاتك".
بموجب المادة 200 التي استندت إليها التهم الموجهة إلى ريبين "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس كل من حبذ او روج أياً من المذاهب التي ترمي الى تغيير مبادئ الدستور الاساسية او النظم الاساسية للهيئة الاجتماعية او لتسويد طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات او للقضاء على طبقة اجتماعية لقلب نظم الدولة الاساسية الاجتماعية او الاقتصادية او لهدم اي نظم من النظم الاساسية للهيئة الاجتماعية".
وجاء في نفس المادة "يعاقب بالعقوبة ذاتها، كل من حرض على قلب نظام الحكم المقرر في العراق او على كراهيته او الازدراء به او حبذ او روج ما يثير النعرات المذهبية او الطائفية او حرض على النزاع بين الطوائف والاجناس او اثار شعور الكراهية والبغضاء بين سكان العراق".
الحرية بعد التظاهرات
بعد المثول أمام القاضي، نقل ريبين إلى نفس المكان ووضع في الحبس الانفرادي، " في المساء أحضروا لي صمونة واحدة فقط جافة وشيش كباب، لكنني لم أستطع تناول الكباب بسبب رائحته، بينما لم يقدموا لي أي شيء باستثناء الماء في اليوم السابق".
يقول ريبين إنهم أعطوه بطانية في غرفة الحبس الانفرادي فقام بلفها ووضعها في حضنه، "طوال الليل، كنت أتحدث إلى البطانية كما لو كنت أتحدث إلى ابنتي البالغة من العمر ثلاث سنوات (أفيستا)، لكنني لم أستطع النوم أبداً بسبب ألم التعذيب".
لم يتعرض ريبين ستار للتعذيب الجسدي تلك الليلة. وفي صباح الأول من أيلول، طلبوا منه مجدداً اسمه الثلاثي وبعض المعلومات الشخصية، لكي يبقوه لمزيد من الوقت.
في تمام الساعة 12:20 ظهرًا من اليوم نفسه، أُفرج عن ريبين ستار بكفالة. وكان الإفراج عنه أحد مطالب ناشطي خانقين، الأمر الذي أدى إلى تعليق المظاهرات المنددة بالانتهاكات والاضطرابات في خانقين، ورفعوا مطالبهم إلى بغداد وتحديداً مكتب رئيس الجمهورية.
"عندما أُطلق سراحي من السجن، نسيت أنني لا أرتدي حذاءً حتى استدعوني لارتدائه". ويقول ريبين "لكن قبل إطلاق سراحي، هددوني بعدم الإفصاح عن أي شيء، وإلا سأواجه أنا أو والدي المصير نفسه".
على الرغم من كل ذلك، يشعر ريبين بالسعادة لأنه عندما عاد إلى المنزل، حظي بدعم كبير لقضيته، خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي.
رغم كل ما حدث، لم يرفع ريبين ستار دعوى، على الرغم من امتلاكه تقريراً طبياً يؤكد تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة.
"حتى الآن لم ينصحني أحد بشيء. لا أعرف ما الذي سيحدث لي ولعائلتي. أناشد منظمات حقوق الإنسان والحكومة أن تتدخل في هذه القضية".
وخاطب ريبين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قائلاً، "أطلب منك أن تعامل الجميع بالمساواة... ساندني كأخ أكبر وردّ لي حقي".