بينما كان آشور توما (56 سنة) يطالب أمام مبنى محافظة دهوك باستعادة 31 دونم من أراضي أجداده، كانت قوافل مركبات المسيحيين تجبر في نقاط التفتيش بمداخل دهوك على العودة من حيث أتت.
آشور كان يريد الضغط من أجل أن يستعيد المسيحيون حقوقهم المسلوبة، بينما كانت القوات الأمنية تسعى لتحييد التظاهرة.
التظاهرة أقيمت في 6 تموز من العام الحالي، والهدف منها كان تعويض مسيحيي اقليم كوردستان أو إعادة أراضيهم التي تعرضت للاستيلاء من قبل أحزاب وقبائل وبعض المواطنين، فيما تقف الحكومة عاجزة عن معالجة القضية.
يراجع آشور توما، الذي يعيش في قرية بليجكاني التابعة لقضاء العمادية (آميدي) دوائر ومؤسسات حكومة اقليم كوردستان على مدار عقود بغية الحصول على تعويض عن الـ31 دونم من أراضيه الواقعة وسط دهوك والتي حولت إلى مبان حكومية ومقرات حزبية.
"منحوني تعويضات عن 3 دونمات فقط، أريد الحصول على كامل التعويضات"، بحسب آشور توما، وهو واحد من مئات المسيحيين في إقليم كوردستان ممن انتُهكت ممتلكاتهم وتم الاستيلاء عليها، بينما عجزت الحكومة عن إعادة حقوقه.
آشور توما أطلع (كركوك ناو) على الوثائق الخاصة بملكية الأراضي، والتي تثبت ملكيتهم لها لعقود، وأن والده كان يستخدمها، وتشير الوثائق إلى أن "الأراضي تقع في القطاعات (8، 9، 11) وسط دهوك، وتبلغ مساحتها 31 دونماً".
"أحد الأحزاب السياسية شيدت مقراً على أراضينا بمساحة تبلغ ستة دونمات، إضافةً إلى عدة مبان أخرى بنيت عليها دوائر ومؤسسات حكومية، قسم من الأراضي استولى عليها بعض المواطنين"، على حد قول آشور.
يوجد نوعان من الأراضي في إقليم كوردستان. النوع الأول يُسمى "الملك الصرف"، أي أن ملكيتها تعود إلى شخص ما، وإذا سُلبت منه يعتبر ذلك أمراً مخالفاً للقانون. النوع الثاني، تعود ملكيتها اساساً للحكومة وتخضع لإشراف وزارتي الزراعة والمالية. لكن هذه الأراضي وزعت على المزارعين لأغراض الزراعة والري منذ سنوات.
فيما يخص النوع الثاني، في حال أردات الحكومة إطفاء الأرض واستخدامها لأغراض أخرى، يتوجب عليها دفع تعويض لصاحبها بواقع 200 متر مربع عن كل دونم.
وفقاً للكتب والوثائق التي حصلت عليها كركوك ناو، فإن أراضي آشور البالغة مساحتها 31 دونم هي من النوع الثاني، وبالتالي فإن الحكومة مجبرة على دفع تعويض قدره 200 متر مربع لكل دونم في نفس الموقع أو في موقع آخر.
وقال آشور، "استلمت 600 متر مربع فقط كتعويض عن ثلاثة دونمات، حصلت عليها بعد جهد وسعي استمر لسنوات، أطالب بتعويضات عن الـ28 دونم المتبقية".
مع ذلك، لم يخف آشور يأسه من الوعود المستمرة التي تطلقها الحكومة والإدارة المحلية في دهوك بشأن تعويض المسيحيين.
في التظارهة التي جرت في 6 تموز، والتي نظمتها ثلاثة أحزاب مسيحية، رفعت شعارات مختلفة، أكدت جميعها على أن أراضي المسيحيين في محافظة دهوك قد استولي عليها.
حزب الحركة الديمقراطية الآشورية، حزب اتحاد بيت نهرين الوطني والحزب الوطني الآشوري، هي الأحزاب الثلاثة التي أشرفت على التظاهرة لإعادة الحقوق إلى مسيحيي محافظة دهوك.
الأحزاب المسيحية دعت المسيحيين الساكنين في أطراف محافظة دهوك إلى المشاركة، لكنهم منعوا من المرور عبر نقاط التفتيش المؤدية إلى مركز المدينة. مراسل (كركوك ناو) أفاد في ذلك اليوم بأن نقاط التفتيش منعت وصول عشرات المسيحيين إلى موقع التظاهرة.
قضية الإستيلاء على أراضي المسيحيين لا تقتصر على مدينة دهوك، بل تشمل أيضاً أقضية العمادية، عقرة ومناطق أخرى في المحافظة.
على سبيل المثال، تعرضت أراضي ثمان قرى مسيحية في قضاء عقرة للاستيلاء.
مشكلة الآراضي في هذه القرى لم تعالج، كما أن الحكومة ليست مستعدة لتعويض أصحابها، رغم صدور قرار من محكمة عقرة يقضي بإعادة الأرض إلى أصحابها.
أوكر ابراهيم، من أهالي قرية كشكاوا التابعة لناحية دينارته بقضاء عقرة قال، "يوجد في قريتنا مكان يسمى كري سور، عبارة عن أرض مساحتها أكثر من 250 دونم تعود ملكيتها للمسيحيين، لكن هذه الأراضي استولي عليها من قبل خمسة اشخاص بدعم من قبيلة كوردية ويرفضون إعادتها للمسيحيين".
أوكر، وهو مسيحي، قال "عمري 55 سنة وقد ولدت في هذه القرية، ملكية أراضي قرية كشكاوا وكري سور تعود لآبائي وأجدادي، لكن في سبعينات القرن الماضي دمر نظام البعث قرى الزيباريين، على اثر ذلك توجهوا نحو قريتنا وقد استقبلناهم آنذاك، بعدها بدأت أعدادهم تتزايد، والآن يرفض قسم منهم إخلاء الأراضي ويستولون عليها".
في عام 2017، شكّل رئيس حكومة اقليم كوردستان السابق، نيجرفان بارزاني لجنة لحل مشكلة القرى الثمان على أربع مراحل.
على هذا الأساس، أصدرت محكمة عقرة في 2018 قراراً يقضي بإعادة الأراضي المسلوبة إلى أصحابها المسيحيين، لكن الطرف المقابل تقدم بطعن ضد القرار.
بعد عشرات الجلسات، قرر المجلس القضائي في أربيل في 2022 البت في القضية وصوت مجدداً لصالح المسيحيين.
يقول أوكر ابراهيم، "بعد صدور قرار المجلس القضائي، أرسلت شرطة دينارته مفارز إلى الأراضي عدة مرات لإنفاذ القرار، ولكن شخص واحد من بين الأشخاص الخمسة وافق على تسليم الأراضي التي بحوزته".
"الأشخاص الأربعة الآخرون لا يزالون يستخدمون الأرض بأنفسهم ويؤجرونها سنوياً كمراعي".
وفي مناطق أخرى، بينها قضاء العمادية، تمكن بعض المسيحيين من استعادة ملكية بعض أراضيهم، لكن قرارات المحكمة لم تدخل حيز التنفيذ لأنهم لم يحصلوا بعد على أي تعويضات.
لم يتبق مسيحيون في قرية آزادي التابعة لناحية سرسنك بقضاء أميدي وفي عدة قرى أخرى، وقد كان من المقرر تعويضهم عن استخدام أراضيهم، إلا أن القرار لم يُنفذ.
بحسب احصائيات الأحزاب المسيحية، وقعت انتهاكات للأراضي في ما لا يقل عن 56 قرية مسيحية بمحافظة دهوك.
فريد يعقوب، نائب الأمين العام للحركة الديمقراطية الآشورية، وهي إحدى الأحزاب المسيحية المدافعة عن المكون المسيحي، قال لـ(كركوك ناو)، "سنبذل قصارى جهدنا للحصول على حقوقنا، سنكون إلى جانب شعبنا... يجب حل هذه القضية"، وهدد فريد يعقوب بتنظيم تظاهرة أخرى.
عقب التظاهرة التي جرت في تموز المنصرم، وعد محافظ دهوك المسيحيين بتنظيم اجتماع موسع بحضور وزير الداخلية والمسؤولين المعنيين لحل قضية أراضي المسيحيين بشكل جذري، حسبما أكد فريد يعقوب الذي قال أيضاً إن " المحافظ لم يحدد أي موعد للاجتماع، في حين أن ملف المسيحيين بأكمله موجود في إدارة المحافظة وهو على دراية بجميع التفاصيل".
شمعون شليمون، أحد الشخصيات المسيحية في قضاء دينارته، والذي دُمّرت قريته أربع مرات من قبل نظام البعث ويشغل الآن منصب نائب محافظ دهوك، قال لـ(كركوك ناو)، "لم يطلب المسيحيون أكثر مما يستحقون. لقد عاش أجدادنا في قرانا. كل ما نطلبه الآن هو إعادة تلك القرى إلينا... نحن اصحاب البيت".
مع ذلك قال شمعون إن "من الصعب أن تحل المشكلة قريباً، حلها يتطلب وقتاً"، وأضاف "هذه المشكلة موجودة منذ 50 عاماً وقد حسم جزء صغير منها، وهناك جزء آخر على رفوف المحاكم، وبعضها من الصعب جداً حلها".
ويؤكد شمعون بأن "عملية التعويض تحتاج إلى مبالغ كبيرة من الصعب تأمينها في الوقت الحاضر... رئاسة الاقليم ورئاسة الحكومة تعملان على حل المشكلة لكن الأمر لن يكون سهلاً".
تعتبر الديانة المسيحية ثاني أكبر ديانة في العراق بعد الإسلام من حيث عدد الأتباع، وقد أقرّها الدستور العراقي ويحق لهم استخدام لغتهم ديانتهم وثقافتهم، وحقوقهم محمية بموجب الدستور والقانون.
بموجب قانون حماية حقوق المكونات في إقليم كوردستان، لا يُسمح بأي سلوك أو سياسة سلبية تُغير الظروف الأصلية للمناطق التي يسكنها مكون معين، ويُحظر أي تملّك يهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي أو يتسبب فيه.
وتشير إحصائيات غير رسمية إلى أن أعداد المسيحيين في محافظة دهوك تتجاوز 50 ألف شخص.
مدير شؤون المسيحيين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بحكومة إقليم كوردستان، خالد جمال، قال لـ(كركوك ناو) إن "مشكلة المسيحيين لا تكمن في إصدار قرارات تقضي بإعادة حقوقهم، بل في تنفيذ هذه القرارت، سواء كانت تتعلق بإعادة أراضي المسيحيين أو تعويضهم.
مشكلة المسيحيين لا تكمن في إصدار قرارات تقضي بإعادة حقوقهم، بل في تنفيذ هذه القرارت
وأضاف، "نشعر حقاً بالإحباط، لأن الجهة التنفيذية تخشى من الانتقام في الانتخابات، لذا فإن القرارات المتعلقة بإعادة أراضي المسيحيين بدون أي جدوى".
لكن خالد جمال نبه إلى وجود خطر آخر، وقال "لا تزال أراضي المسيحيين تتعرض للانتهاك"، مشيراً إلى أن "الحكومة تعتزم توزيع أراضٍ في قضاء سيميل على الموظفين تعود ملكيتها للمسيحيين دون أن تتحرى عن أصحابها الأصليين".
نائب محافظ دهوك للشؤون الفنية، ماجد سيد صالح، قال لـ(كركوك ناو) إن "المسيحيين من حقهم المطالبة بالتعويضات... لكن هذه العملية تستغرق وقتاً طويلاً، وليس من الشرط أن يستعيد جميع المسيحيين على حقوقهم".
آشور توما فقد شقيقاً له في عام 1985 حيث تم إعدامه بسبب معارضته للمعاملة السيئة لحزب البعث مع المواطنين، وقد تعرض توما أيضاً للسجن والتعذيب. توما أبدى إصراره على استعادة حقوق مسيحيي دهوك.
وقال توما خلال مشاركته في تظاهرة 6 تموز بصوت عال، "عانينا كثيراً إبان فترة حكم نظام البعث، والآن نعاني لأن حقوقنا لا تعاد إلينا في ظل حكومة إقليم كوردستان. ليس لنا إلا ربنا".