خلال سعيهن لتأمين لقمة العيش، تواجه النازحات الإيزيديات عقبتين تتعلقان بعدم المساواة الاقتصادية، إحداها محدودية فرص العمل واقتصارها على وظائف شاقة لا تتناسب مع طبيعتهن، الأخرى تتمثل بعدم توفر أي تسهيلات مالية من حيث الإقامة أو تأمين مصاريف النقل حين تكون فرصة العمل خارج المخيمات.
هذا الحرمان الاقتصادي الذي تعاني منه النساء دفع بالعديد من خريجات الجامعات والمعاهد للبقاء تحت الخيام دون عمل، رغم أن حلمهن هو المشاركة في سوق العمل.
سعاد حمو واحدة من مئات الفتيات ممن يدفعن ضريبة عدم المساواة الاقتصادية. تقيم سعاد مع عائلتها في مخيم "باجد كندالا" ضمن حدود قضاء زاخو، قبل عامين تخرجت من قسم الطاقة بكلية الهندسة.
تواجه سعاد تحديين من أجل العمل، التحدي الأول هو أن معظم فرص العمل التي تأتيها هي خارج المخيمات وتتطلب تكاليف السكن والنقل، والتي توفرها الشركات. أما التحدي الثاني، بحسب قولها، فهو "قلة فرص العمل المتاحة للنساء".
ويأتي ذلك في حين أن سعاد تثق في قدرتها على النجاح في مزاولة تخصصها.
عثرت سعاد على عمل لدى شركة لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية. محل العمل كان في مدينة دهوك، لكنها قالت "لم يتم تأمين محل إقامة لي في دهوك، ولم يكن يصرفون لي أجور النقل من المخيم إلى مكان عملي، لذا تخليت عن العمل بعد شهر واحد".
امرأة تشتري قطع ملابس من محل في مخيم شاريا للنازحين بدهوك تصوير: كركوك ناو
السبب وراء قرار سعاد هو أن راتبها الشهري كان يتراوح بين 600 و700 ألف دينار، فيما كانت الإقامة في شقة تكلفها ما بين 250 و300 ألف دينار، بالإضافة إلى الطعام الذي قدّرت كلفته بنحو 100 ألف دينار، فضلاً عن مصاريف أخرى.
ويأتي ذلك في وقت لا تملك فيه النازحات أي فرص عمل في المخيمات، خصوصاً بعد انسحاب عشرات المنظمات التي كانت توفر عشرات الفرص للنساء في السنوات السابقة.
خاليدا شمو (32 سنة)، متخرجة من قسم علم النفس تعيش مع أسرتها في مخيم خانكي، قالت "أصبحنا ضحايا مرتين، مرة كوننا نساء وفرص العمل للنساء قليلة، والثانية أننا نعيش في المخيمات وفرص العمل فيها أصعب مقارنةً بمراكز المدن".
" الحياة في الفقر والعيش تحت الخيام أمر صعب للغاية، تخيل أن تدرس لسنوات لكي تحصل على شهادة، ولكن بسبب النزوح، تقضي أيامك تحت خيمة وليس لديك عمل"، بحسب خاليدا.
الوضع أهون قليلاً بالنسبة للرجال لأنهم يستطيعون مزاولة الأعمال الشاقة والمرهقة. وتقول خاليدا، "فرص العمل المتوفرة في المخيمات تتطلب عملاً شاقاً بشكل يومي، وهو أمر لا يناسب للنساء".
المكون الديني الإيزيدي في العراق تعرض في عام 2014 للقتل والاختطاف والتهجير حين هاجم مسلحو تنظيم داعش مناطقهم، وتحديداً قضاء سنجار بمحافظة نينوى.
يواجه الإيزيديون الذين لا زال قسم كبير منهم يعيشون في المخيمات أزمة بطالة حادة، بالخص في صفوف النساء.
إمكانيات النساء الإيزيديات ليست أقل من نساء إمكانيات نساء المكونات الأخرى، لكن الدعم قليل والفرص ليست متساوية للجميع
أكثر من 110 ألف شخص لا زالوا يعيشون في مخيمات النازحين بمحافظة دهوك ولم يعودوا إلى مناطقهم الأصلية بسبب حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي التي تشهدها مناطقهم.
إدارات المخيمات تقدم نوعاً من التسهيلات للنازحين الراغبين في العمل خارج المخيمات لكن ذلك غير كافٍ.
بير علو كجل، مدير مخيم خانكي بدهوك، قال لـ(كركوك ناو)، "لا نمنع النساء الراغبات بالعمل خارج المخيمات لكن فرص العمل لهن قلّت بشكل كبير".
وأوضح بير علو، "سابقاً كان في كل مخيم أربع أو خمس منظمات دولية ومحلية تقدم الدعم للنساء من أجل إيجاد فرص عمل وتشجيعهن على العمل، لكن هذه المنظمات انسحبت منذ فترة طويلة، كما لا يوجد دعم من قبل الحكومة".
بعض النساء كنّ يعملن مباشرة مع المنظمات، بينما وفرت أخريات فرص عمل لأنفسهن وللآخرين من خلال مشاريع صغيرة بمساعدة المنظمات، بما في ذلك تأسيس صالونات وبيع مستحضرات التجميل والخياطة وغيرها، لكن هذه الدعم لم يعد موجوداً.
"لا يتوفر الآن غير الأعمال الشاقة التي لا تلائم النساء"، حسبما يقول بير علو.
مدير دائرة العمل في محافظة دهوك، عبد الكريم حماد، شدد على أن عدم توفير السكن وأجور النقل للعاملين من الأسباب الرئيسية التي تمنع نساء المخيمات من السعي للحصول على فرص عمل في المدن.
ويقول حماد المختص بعلم الاقتصاد إن "كل مخيم للنازحين يبعد ما نصف ساعة على الأقل عن مركز المدينة، لذا فإن التنقل يكلفهم مصاريف ليست قليلة... ومن الأسباب الأخرى التي تعيق حصول النازحات على فرص عمل قلة الخبرة".
دائرة العمل في محافظة دهوك أنشأت موقعاً إلكترونياً للراغبين في الحصول على فرص عمل، ويقول عبد الكريم "يمكن للاجئين التسجيل للحصول على عمل".
وتقول الناشطة الإيزيدية بسنا خلف إن "إمكانيات النساء الإيزيديات ليست أقل من نساء إمكانيات نساء المكونات الأخرى، لكن الدعم قليل والفرص ليست متساوية للجميع".