تستعرض السيدة سرود محمد وهي مدير جمعية الأمل في محافظة كركوك، أبرز التحديات التي تواجه المرأة العراقية من الناحية المالية ودخولها إلى سوق العمل، وأيضاً توضح مفهوم المساواة الاقتصادية لنساء العراق وحملة مكافحة هذا التهميش المتعمد وأيضاً تعزيز دور التحالف المشكل مؤخراً، وتشمل هذه التحركات محافظات إقليم كردستان.
محمد وفي هذه المقابلة مع "كركوك ناو"، تفتح الملف الأهم للمرحلة المقبلة بالتزامن مع تحركات رئيس الوزراء علي الزيدي لملاحقة الفاسدين وارجاع أموال العراقيين المنهوبة.
كركوك ناو: ما الأسباب الجذرية والهيكلية التي تسهم في تفاقم عدم المساواة الاقتصادية في مجتمعنا؟
سرود محمد: هناك أسباب عديدة تفاقم من عدم المساواة الاقتصادية للمرأة في المجتمع، تتقدمها الثقافة المجتمعية التي تواجه النساء من خلالها صعوبة الخروج من المنزل للعمل، وكذلك ضعف وعي النساء بقانون العمل والضمان الاجتماعي الذي يعتبر عاملاً إضافياً يتسبب في استنزاف حقوقهن.
وفي ضل غياب البيئة الملائمة للعمل ونقص كوادر الإشراف من دائرة الضمان الاجتماعي على أرباب العمل، فضلاً عن غياب التشجيع لتسجيل العاملات في الضمان، إلى جانب وجود ظروف غير ملائمة تتمثل في عدم الشعور بالأمان في الشارع والتعرض للتحرش داخل بيئة العمل، وهو ما يمثل التحدي الأكبر الذي تواجهه النساء.
كركوك ناو: نعم، إذن هذه كل الأسباب الموجودة؟ هل هناك أسباب إضافية ممكن تكون جانبية؟ مثلاً تختلف من مجتمع إلى مجتمع أو من منطقة إلى منطقة؟
سرود محمد: تتباين واقع المرأة العاملة في العراق تبعا للخصوصية الثقافية لكل منطقة، حيث يوفر إقليم كردستان بيئة عمل ورقابة أفضل بفعل الاستقرار والأمان والانفتاح، مقابل تهميش واضح للملف وضَعف اهتمام الحكومية الاتحادية بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية التي تعد الوزارة الأهم لتماسّها المباشر مع المجتمع والفئات الهشة مثل المسنين، والأيتام، والنساء بمأوى الناجيات من العنف.
يجب ان تهتم الحكومة المؤسسات الخدمية وترفدها بكوادر مختصة، وتفعيل دائرة الضمان الاجتماعي بشكل صحيح لتأمين مستقبل العمال وحقوقهم في التقاعد والساعات الإضافية والإجازات المرضية خاصة للأمهات الحوامل والمرضعات والتي كفلها قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 18 لسنة 2023.
كما أن المادة (46) من القانون إجازة أمومة تشترط على صاحب العمل توفير راتب لمدة 14 أسبوعاً يتكفل بها صندوق ضمان الأمومة الحكومي، فيما تلزم المادة (45) الصندوق بتغطية نفقات المرأة العاملة في حال حدوث مضاعفات صحية أو عمليات جراحية بعد اثبات الحالة بالتقارير الطبية، بينما تتيح المادة (29) للمرأة التي لديها ثلاثة أطفال دون سن الـ 15 وخدمة لا تقل عن 15 سنة حق التقاعد المبكر بكامل حقوقها، تحقيقاً للمصلحة الفضلى للأطفال، وضماناً لتفرغ الأم لتربيتهم ورعايتهم الصحية تفادياً لتراجع إنتاجيتها المهنية نتيجة القلق الأسري وتجنباً لزيادة النفقات العلاجية والطبية على الدولة.
كركوك ناو: كيف تتأثر النساء شكل خاص بظاهرة عدم المساواة الاقتصادية.
سرود محمد: هناك تداعيات خطيرة لغياب بيئات العمل الآمنة والملائمة للنساء في العراق، وهذا الغياب يعد انتهاكاً صارخاً للحق في العمل، ويفسح المجال لابتزاز كرامة العاملات وإهانتهن، لاسيما في ظل تزايد أعداد النساء المعيلات لأسرهن من الأرامل والمطلقات وزوجات ذوي الإعاقة.
يجب تفعيل إجراءات رقابية صارمة لحماية الفئات الهشة، من بينها تسيير لجان تفتيشية تابعة دائرة الضمان الاجتماعي، واستخدام عناصر أمنية بملابس مدنية لتقييم التحديات داخل بيئات العمل ورصد الانتهاكات، فضلاً عن تفعيل الخطوط الساخنة للإبلاغ عن حالات التحرش بـسرية تامة، وضرورة تشجيع النساء على استخدام خدمات الطوارئ 911 لضمان حقوقهن وقمع الابتزاز.
كما من الواجب توفير بيئة عمل محفزة للمرأة وهذا يسهم بشكل مباشر في فتح أسواق جديدة، وتنشيط الإنتاج الوطني، وتعزيز روح المواطنة، فضلاً عن الحد من الظواهر الاجتماعية السلبية مثل عمالة الأطفال. هناك العديد من التجارب الميدانية الملهمة التي قامت بها نساء نازحات ومعيلات استطعن فتح مشاريع متناهية الصغر وبرأس مال 25 ألف دينار وهذا ساهم في تحقيق الاكتفاء المالي، وتمكن من اعادة أطفالهن إلى مقاعد الدراسة وتأمين مستقبلهم، وهذا يعكس الأثر النفسي والاجتماعي الإيجابي لتمكين المرأة اقتصادياً وحفظ كرامتها وتقليل للانتهاكات في المجتمع.
أنا اتألم عندما اشاهد طفل يقف تحت اشعة الشمس لساعات طويلة باحثا عن رزقه في التقاطعات والاسواق حتى يساعد عائلته ونحن كبار لا نتحمل الوقوف لبضع دقائق، وليس هذا وانما هناك اطفال يساعدون امهاتهم في العمل واعمارهم 9 أو 10 سنوات.
كركوك ناو: ما العوائق غير المرئية التي تحول دون تحقيق النساء لاستقلالهن المالي بالكامل؟ وكيف ينعكس ذلك سلبا على اقتصاد الأسرة والمجتمع؟
سرود محمد: هناك تحديات اجتماعية وقانونية مركبة تواجه تمكين المرأة اقتصادياً في العراق، لاسيما في المناطق الريفية والأطراف، حيث تبرز ثقافة الهيمنة الاقتصادية لبعض الأزواج كعائق رئيسي أمام استدامة المشاريع الصغيرة التي تديرها النساء المعيلات، فالرجل لا يحب ان تمتلك زوجته المال لأنه يعلم أنه سيكون مصدر قوة لها.
كما اننا رصدنا من بعض المشاريع التي دعمناها حالات استيلاء على المنح المالية والأرباح من قِبل أزواج هجروا زوجاتهم، ثم عادوا للسيطرة على عوائد المشاريع بالقوة والتعنيف، مدفوعين بنظرة مجتمعية ترى في امتلاك المرأة للمال مصدر تهديد للمنظومة الأبوية التقليدية، وهذا سبب عرقلة تدوير الأرباح وتطوير الأعمال المخصصة لإعالة الأسر الهشة، أو تطوير من إمكانياتها داخل المنزل من ناحية الاثاث أو غيرها.
لا بل هناك غياب للحماية القانونية الفعالة في مراكز الشرطة بقرى والارياف وأطراف المدن، حيث ترفض بعض الجهات التنفيذية تسجيل شكاوى النساء المعنفات تحت ذريعة الحفاظ على الاعتبارات الاجتماعية، أو بسبب العلاقات الشخصية التي تربط بعض الضباط بالأزواج، هناك تحديات كثيرة ولكن في المدينة تكون أقل من الأطراف.
كركوك ناو: ما المبادرات التي يقودها المجتمع المدني للحد من عدم المساواة الاقتصادية؟ وما الدعم الذي تحتاجونه من القطاعين العام والخاص لتعزيز هذه الجهود؟
سرود محمد: نحن في حملة "متحدون من أجل المساواة الاقتصادية" نشدد على محورية التوعية المجتمعية والإعلامية، عبر منصات التواصل الاجتماعي او عن طريق القنوات، لتغيير المنظور السلبي السائد تجاه عمل المرأة، وإن الدستور العراقي كفل حق العمل ومنع التمييز، فضلاً عن التزام الدولة بحماية الأمومة والطفولة وصون الكرامة الإنسانية.
كما ان غياب القروض الميسرة وبيئات العمل الملائمة يدفع بعض النساء تحت وطأة الحاجة وعوز الإعالة إلى خيارات قاسية تهدد كرامتهن وحياتهن، مثل التخلي عن التعليم، أو عمالة الأطفال، وزواج اطفالهن القاصرات، وصولاً إلى بيع الأعضاء والوقوع ضحايا للاتجار بالبشر، فمن غير المنطقي ان يتقبل المجتمع امرأة تتسول في الشوارع ولا يتقبل عملها بمكان محترم وعمل شريف اذا توفرت هذه القروض.
من الواجب الدعوة لإطلاق آليات دعم حكومية ومجتمعية عاجلة تشمل توفير القروض وتأمين الأسواق، مع تعزيز الوعي القانوني بآليات التسجيل في الضمان الاجتماعي لضمان الاستقرار المالي، وحثّ المشاركون النساء على الإبلاغ عن أي انتهاكات أو ابتزاز عبر خط الطوارئ الساخن 911 المتميز بالسرية التامة، كما نوجه من خلالكم دعوة الى وسائل الإعلام لتسليط الضوء على هذه التحديات ومساندة المشاريع النسائية الصغيرة كركيزة أساسية لحفظ كرامة المرأة والمجتمع.
كركوك ناو: من خلال عملكم الميداني ومتابعتكم للواقع، ما أبرز الجوانب التي تغفلها الحكومة عند معالجة أزمة عدم المساواة الاقتصادية؟
سرود محمد: السياسات الحكومية لدعم النساء المستفيدات من شبكة الرعاية الاجتماعية اتمنى تتغير من نظام الإعانات النقدية "الهزيلة" إلى برامج التشغيل والدمج الاقتصادي، وتكون هناك رؤية بديلة ترتكز على إيقاف الهدر المالي المتمثل في تقديم مساعدات محدودة لا تسد سوى الرمق، واستبدالها بفتح مصانع وطنية وتفعيل القطاع الزراعي لاستثمار الطاقات النسائية القادرة على العمل وهذه الخطوة تشجيع الإنتاج المحلي وتقليص الاستيراد الخارجي، فضلاً عن دمج المرأة في المجتمع وتوعيتها، لتأمين دخل مستدام يخرجها من دائرة العوز ويحولها من عبء مالي إلى قوة منتجة تدعم الاقتصاد الوطني.
يجب ان تكون مبادرات مجتمعية وحكومة تتبني استراتيجية تمكين شاملة لدعم مشاريع سبل العيش المستدامة للنساء في أقضية ونواحي المحافظة، كما حدث وحققتها في جمعية الامل نجاح مع نساء في مناطق الحويجة، والدبس، وناحية الرشاد، كما من الواجب تضمين خطة التمكين وهي تقديم قروض ميسرة بفوائد صفرية أو ضئيلة، مع تبسيط إجراءات الحصول عليها وتوفير دورات تدريبية مكثفة مع متابعة مستمرة وإدارة الدفاتر المالية لضمان نجاح المشاريع وتقييم حجم الإنتاج ومدى حاجة السوق له، إلى جانب تذليل تحديات الطاقة عبر توفير وقود للمولدات أو دعم التحول نحو الطاقة الشمسية النظيفة.
أثبتنا من خلال التجارب المحلية في الرشاد والحويجة نجاح النساء في إدارة مشاريع تتناسب مع إمكانياتهن، مثل تربية الدواجن، والبط، والوز، وإنتاج البيض المحلي، والعسل، وزراعة الأعلاف، بالإضافة إلى الحرف اليدوية، ولم تقتصر نتائج هذه المشاريع على الجانب المالي، بل ساهمت في دمج النساء بمراكز محو الأمية، حيث واصلت بعضهن التعليم حتى المرحلة الجامعية، مما انعكس إيجاباً على وعي الأسر، والحد من زواج القاصرات، وزرع الطموح لدى الأجيال الجديدة لاستثمار طاقات النساء الكامنة.
خبير بالتربية يقول يجب ان تستثمر في كل طالب مليون دولار حتى يجد عمل عندما يكمل المرحلة الجامعية وكذلك الان يجب تهيئة بيئة عمل ملائمة في القطاعين الخاص والمختلط، لضمان استثمار الطاقات الشبابية والنسائية ومنع هدر الإنفاق الحكومي على قطاع التعليم، وتركز الرؤية البديلة على استغلال المقومات الاقتصادية لمدينة كركوك كشريان نفطي وزراعي وغني بالثروة الحيوانية، عبر إنشاء معامل محليّة تُنهي استيراد السلع والمحاصيل الأساسية، وتقديم قروض بفوائد صفرية لتشجيع الهجرة العكسية نحو الريف ودعم المزارعين.
كما ان الشمول المالي "الراتب" يكون عبر توطين أجور العاملات في المزارع عبر بطاقات الدفع الإلكتروني "الماستر كارت"، بالتزامن مع إطلاق برامج للتوعية الرقمية لحماية النساء من الابتزاز الإلكتروني والتحرش، كما يجب بتكثيف جولات مفتشي العمل لتسجيل العاملين بدوائر الضمان الاجتماعي، وتطبيق البنود الدستورية التي تكفل حماية الأمومة عبر تقليص ساعات العمل وتخفيف المجهود البدني للمرأة، بما يضمن حقوقها ويعزز قيم المواطنة والانتماء.
كركوك ناو: هل تعكس القوانين والتشريعات الحالية التزاما حقيقيا بمكافحة عدم المساواة الاقتصادية أم ان هناك حاجة الى اصلاحات هيكلية وتشريعية جديدة؟
غياب الوعي والضعف الرقابي يعرقلان جني ثمار قانون الضمان الاجتماعي الجديد رقم 18 لعام 2023، وسط دعوات ملحة للحكومة بتفعيل الآليات التنفيذية لدمج النساء في سوق العمل وتحريك نصف القوة العاملة "المجمدة" في المنازل.
وتتركز العقبة الحالية في الجهل الواسع بالحقوق القانونية وآليات تطبيقها، إلى جانب النقص الحاد في أعداد مفتشي العمل المعنيين بمتابعة أرباب العمل، ومحاسبة الممتنعين عن تسجيل العاملين والعاملات في دوائر الضمان الاجتماعي.
وتتضمن الرؤية المطروحة حزمة حوافز تدعم القطاع الخاص والشركات والمنظمات التي تشغل النساء، أبرزها تقديم تسهيلات إدارية وتقليص الروتين، إلى جانب منح إعفاءات أو تخفيضات ضريبية للجهات الحاضنة للأيدي العاملة النسائية. وتهدف هذه الإعفاءات إلى تعويض الشركات عن كلفة الرعاية الدستورية للمرأة، ومراعاة التزاماتها الجسدية والأسرية المرتبطة بدور الأمومة والإنجاب، مما يضمن إشراك النساء كقوة إنتاجية فاعلة تدعم الاقتصاد الوطني.
كركوك ناو: قبل الختام.. ما الرسالة أو المطلب الأساسي الذي تودون توجيهه إلى المسؤولين وصناع القرار من أجل تغيير هذا الواقع؟
سرود محمد: يجب تفعيل الآليات التنفيذية لقانون الضمان الاجتماعي وتقليل أو تجريم التمييز السلبي ضد المرأة في بيئة العمل، لحمايتها من الاستغلال والانتهاكات المالية والجسدية.
كما أن رؤية وزارة العمل يجب ان تتشكل على تعزيز منظومة التفتيش ورفدها بـ "كادر نسوي" يسهل على العاملات التواصل والإبلاغ عن حالات التحرش أو بخس الأجور دون حرج، مع استحداث قنوات واضحة للوصول إلى الحقوق الضائعة، بالإضافة الى تقديم حوافز للقطاع الخاص عبر تخفيض الضرائب وتبسيط الروتين للشركات التي تشغل النساء، تعويضاً لها عن التزامات حماية الأمومة، بهدف دمج نصف المجتمع "المجمد" في المنازل وتحويله إلى قوة منتجة.